“الميديا” التي خربت عقولنا

حنظلة المغربي

هي : يجب أن يكون زوجي وسيما قسيما ، يملك سيارة فارهة وفيلا فخمة لأعيش معه مثلما تعيش الأميرات
هو: أرغب في الاقتران بشقراء تنقلني للضفة الأخرى حيث العيش الرغيد والمال الوفير
(موسيقى حزينة في هذه الأثناء)
ويمضي العمر وأحلام الرجل الثري والشقراء المخلّصة تتلاشى تدريجيا فلا يبقى منها غير ما يبعث إحساس السخرية في النفس
ما الذي يجعلنا بعيدين عن الواقع ؟ …مرارته ؟! سذاجتنا؟!
عالمنا الحديث الذي تطغى عليه وسائل التواصل ويستأسد فيه الإعلام عالم مزيف للأسف ، إننا لا نعيش اليوم واقعنا للأسف ، بل نعيش الواقع الوهمي الذي تصنعه “الميديا” أوهمونا أن الحياة سيارة فاخرة وقصر منيف وهاتف بثمن باهظ وجري وراء الموضة وما إن يجري الواحد منا مقارنة بسيطة بين الوهم والواقع حتى يصاب بالصدمة فيلجأ للحيل النفسية ليخلق نوعا من التوازن في شخصيته …إنه غير قادر على اقتناء سيارة فارهة لكن هذا لن يمنعه من اقتناء هاتف جميل وحذاء لامع وبذلة أنيقة ولن يمنعه من ارتياد مقهى يرتاده علية القوم ولن يمنعه كذلك من قول (جو تومبريييي ، سي جونتي ) مثلما يفعل الأثرياء
وهي كذلك لن تجد صعوبة كبرى في ارتداء تنانير قصيرة تحاكي تنانير لوبيز وريهانا وفي التمايل في مشيتها مثل شاكيرا …في انتظار أن يتحقق الحلم يوما
هذا التماهي مع الوهم يجعلنا نقع أسرى التفاصيل التافهة التي تؤثث الحياة “السعيدة” التي صنعتها الميديا في عقولنا
لقد عاش إنسان ما قبل “الفايسبوك” حياة جميلة هادئة ،ليس لأنها كانت حياة باذخة ولكن لأنه عاش واقعه بكل جرأة وشجاعة ولم ترتسم في ذهنه أي صورة كاذبة تشغله عن هذا الواقع ، حين يتزوج لا يشترط أن تكون الزوجة منحوتة مثل لوبيز لأنه لم يعرف لوبيز (وما لها لكانت طبيبيزة شوية عادي لموهيم بنت الناس) …إنسان ما قبل “الفايس” لم تشغله المقارنات إطلاقا ، (يبدو له خبز الفرن رائعا لأن “البيتزا والهوت دوغ والشوارما لم تلوث خياله) … كانت المرأة كشريكها الرجل تكدح إلى جواره راضية بما قسمه الله (الرجل نيفو غليظ ،ومالو الله يعمر ليه الدار عمرو قلقني أو سمعت منو شي كلمة دلعيب) لم يكن مهند قد ظهر في خيالها بعد ولم تكن السيارة ولا الطائرة تمثل لها شيئا …أرجوكم قدموا “بيتزا وشوارما لأجدادكم وجداتكم وبجوارها صحن عدس وانظروا إلى أين تمتد أيديهم؟ لم يكن الوهم معششا في خيالهم مطلقا ولو سألت معظمهم (أعلم أن هناك استثناء ات) لقالوا لك أنهم عاشوا سعداء وأن الواحد منهم لا يمكن أن يغير شريكه أو شريكته ولو منحوه كل مال الدنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *