عواصف الحراك تربك المشهد السياسي المغربي

نون بريس

هناك ارتباك حقيقي على مستوى المشهد السياسي المغربي وقد تفاقم هذا الارتباك بعد تزايد حدة الاحتجاجات بالريف فأحزاب الأغلبية مثلا تصدر بيانات متعارضة حد التناقض تؤيد حراك الريف السلمي تارة وتتهمه بالنزوع نحو الانفصال تارة أخرى وترى الاحتجاج السلمي حقا مشروعا ثم تنادي بوأده ، والحكومة صار لها رأسان يقودان سفينتها بسرعتين متباينتين ، فرغم أن الدستور المغربي يمنح رئيس الحكومة صلاحية ترأس مجلس الحكومة من أجل التداول في السياسات العمومية، والسياسات القطاعية، والقضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، إلا أن وزير الداخلية يمارس هذه الصلاحية عوضا عن رئيسه ولا يجد حرجا في دعوة أحزاب الأغلبية لتوفير الغطاء السياسي لقرار منع مسيرة 20 يوليوز بعد إصداره وليس قبله، مما يعني أن القرار اتخذته وزارة الداخلية دون أن تستشير أحدا وبشكل يحيلنا مباشرة على زمن سيادة الداخلية “البائد” حيث لا صوت كان يعلو على صوتها يومئذ.

في ظل هذا المشهد المرتبك صار مألوفا لدى المواطن المغربي أن يسمع مداخلة برلماني ينتمي حزبه للأغلبية الحكومية لكنه لا يدخر جهدا في انتقاد موقف الحكومة من حراك الريف وصار مألوفا أن تطفو على سطح الأحداث أسماء ووجوه ترتسم على ماضيها وحاضرها أكثر من علامة استفهام وجوه تأكل من القصعة وتدعو عليها بالويل والثبور،صار مألوفا كذلك أن يبدي بعض المسؤولين الرأي ونقيضه في القضية الواحدة وفي مدة زمنية وجيزة فالرميد مثلا كتب تدوينة عن حق المغاربة في التجمهر السلمي دون ترخيص منذ أسبوع ولم يجد أدنى حرج اليوم في تبرير قرار منع مسيرة 20 يوليوز والدفاع عنه باستماتة .

إن حالة الارتباك المهيمنة على المشهد السياسي المغربي ليس لها غير تفسير واحد ووحيد أن بوصلة السياسي التي ضبط مؤشرها سلفا على وجهة المنفعة الشخصية لا يمكن أن تستقر البتة ،فالمصالح في زمننا هذا تتغير بسرعة رهيبة والفاعل السياسي لم يعد قادرا على تضليل الجمهور مثلما تعود في السابق وهذا أصل ارتباكه وارتباك خطاباته، السياسي المغربي اليوم خائف لأن مصالحه الخاصة ومصالح حزبه في مهب العاصفة فقد يعصف بها الحراك مثلما فعلت رياح 20 فبراير حين رفعت أقواما ووضعت آخرين وقد يخطئ موعده مع الحظ فيجد نفسه في صف المغضوب عليهم من حيث كان يظن أنه قريب من أصحاب القرار، لقد طوحت 20 فبراير بحزب البام القريب من دوائر النفوذ بعيدا ،وأدنت البيجيدي الذي كان على وشك أن يُحَلّ غداة 16 ماي ،نفس السيناريو قد يتكرر اليوم لأن أمواج الحراك عاتية وقد تعبث بمراكب السياسيين في أية لحظة لهذا تجدهم مشغولين بقياس شدة ضغط الحراك وأثره عليهم أكثر من انشغالهم بانعكاس أحداثه على مصالح الوطن وكيفية التعاطي معه بشكل يضمن حفظ هذه المصالح دون المساس بكرامة المواطنين.

إن المبدأ ثابت والمصالح متقلبة وتقلب مواقف السياسيين يكشف معدنهم لأنهم يدورون مع مصالحهم حيث دارت ولا مبدأ ثابت يضبط حركاتهم وسكناتهم فهناك من وجد الفرصة سانحة كي يصفي حساباته السياسية الضيقة مع خصومه داخل الحزب أو خارجه ،وهناك من يبذل جهده من أجل الحصول على بقعة تحت ضوء الحراك لعلها تسمو به مستقبلا حين يأتي وقت جمع الغلال وقطاف الثمرات وهناك أيضا من يحاول الرجوع بعجلة الزمن إلى الخلف يوم كان المغرب خاضعا لمنطق الترهيب والبطش والرأي الواحد .

إن أي مقاربة غايتها تحقيق المصالح الذاتية ستفلس ولا ريب ،وهذه النخب السياسة العاجزة عن التخلص من براغماتيتها المقيتة لا يمكنها أن تنتج فعلا سويا إلا إذا غيرت طريقة تفكيرها ففي السفينة التي تتقاذفها الأمواج من العبث أن يتصارع الربابنة حول من يمسك دفة القيادة ،ومن غير الأخلاقي أن يفكر البحارة في انتزاع قطع منها لضمان نجاتهم لأنهم سيسرعون وتيرة غرقها وأفضل سلوك في مثل هذه الحالات أن يشرح ربابنة السفينة الوضع للركاب بصدق ووضوح وأن يشركوهم في البحث عن حل للمخاطر التي يواجهونها وأن يقدموا المصلحة العامة على مصالحهم الضيقة فذلك وحده ما سيعزز ثقة الركاب فيهم ، وليكن لنا في الطريقة التي أفشل بها الانقلاب التركي مثالا يحتذى ،لقد دافع الأتراك عن تجربتهم لأنهم يؤمنون بصدق قيادتهم وتشبثها بالمصالح العليا للوطن وليس لأنهم يتقاسمون معها كل توجهاتها ،وهذا بالضبط ما نفتقده اليوم في نخبنا “الصدق والانتصار لمصلحة الوطن “.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *