آفاق التدخل الدولي في الأزمة الخليجية

أزمة الخليج بدأت بضوء أخضر دولي -أو “ترمبي” بشكل أدق- وتم احتواؤها أو استبعاد الخيار العسكري فيها بقرار دولي، وعليه فقد آن لها أن تنتهي أيضاً بقرار دولي. الولايات المتحدة حققت مكاسب -مالية تحديداً- في بداية نشوب الأزمة، ولكن الأوضاع تفاقمت وبدأ الجميع يخسر في الوقت الراهن.

لم يكن لأزمة الخليج أن تتطور إلى الحد الذي وصلت إليه أو تتخذ الشكل الذي اتخذته في عهد باراك أوباما، الذي تميز بالابتعاد عن أزمات العالم العربي حتى حين تم انتهاك الخطوط الحمر التي وضعها في سوريا. ولكن في ظل إدارة ترى العالم من منظور مالي مختلط بشيء من الأيديولوجيا والقومية الشوفينية؛ فإن كل شيء جائز.
مؤشرات وخسائر

توقيت الأزمة -الذي يأتي مباشرة بعد قمة الرياض وبعد توقيع عقود بنية التنفيذ تصل إلى 460 مليار دولار- يشير بدرجة كبيرة إلى أن الكثير من التفاهمات وليس فقط العقود المالية، قد تم التوصل إليها أو إعطاء الضوء الأخضر فيها (كالأزمة الحالية)، وإلا لما كان لتوقيع هذه العقود أن يحدث.

ومما يشير إلى أن انطلاق أزمة الخليج قد يكون فعلاً أحد هذه التفاهمات؛ تغريداتُ دونالد ترمب التي أعقبت الأزمة مباشرة، وأيدت موقف اللاعبين الأساسيين أو أصحاب العقود المالية في قمة الرياض.

الأزمة كانت مشحونة -منذ بدايتها- بالتصعيد ولمستويات ربما لم تكن متوقعة، حيث ظهر ذلك جلياً في حدة المطالب وخروجها عن درجة المعقول في الأعراف الدولية، كما عبرت عن ذلك عدة عواصم عالمية، والأهم هو ربطها بموعد عشرة أيام تنتهي عندها لتبدأ مرحلة تصعيد جديدة.

هذا التصعيد اصطدم بسقف دولي جديد تم وضعه في المكالمة الهاتفية التي أجراها ترمب مع عبد الفتاح السيسي قبيل اجتماع وزراء خارجية دول الحصار يوم 5 يوليو/تموز (في القاهرة)، وبذلك دخلت الأزمة مرحلة جديدة من الجمود السياسي.

الطرف الأميركي حقق كل ما كان يمكنه تحقيقه من المكاسب تحديداً في بداية الأزمة، فمبيعات الأسلحة وصلت إلى أرقام قياسية غير مسبوقة وشملت طرفيْ الأزمة، دول الحصار ثم قطر. والآن لم تبق هناك مكاسب كامنة إضافية يمكنه تحقيقها.

الآن بدأ دور الخسارة من استمرار الأزمة للطرف الدولي بشكل عام والأميركي بشكل خاص، ولذلك فإن مصلحة الطرف الدولي -مثله مثل الأطراف الرئيسية في النزاع- هي وضع حد للأزمة وإنهاؤها بحل متوافق عليه. وتكمن خسائر الطرف الدولي من استمرار الأزمة في الأمور الثلاثة الرئيسية التالية:

أولا: ارتباك قطاعات واسعة في الأسواق العالمية، ليس فقط في مجال النفط والغاز والمخاطر التي تنتج عن عدم اليقين بتأمين تدفق سلس للطاقة؛ ولكن أيضاً في قطاعات مثل شركات الطيران والاستثمارات وغيرها.
هذه الأجواء تضع كبار المستثمرين في حيرة: إما الاستثمار في سوق غير مضمون (عادة رأس المال يتجنب مثل هذه الأجواء)، أو الاكتفاء بخسائر معينة والانسحاب إلى أسواق أخرى.

ثانياً: سيكون لاستمرار الأزمة أثر كبير على أولى أولويات السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة التي تحددها واشنطنبالحرب على الإرهاب، إذ لن تخطف هذه الأزمة الأضواء من الحرب عليه فقط؛ بل إن الخلافات داخل معسكر الحلفاء (دول الحصار وقطر والمجموعة الدولية) ستشتت الجهود، وستصبح التجاذبات الداخلية صاحبة الاهتمام الأكبر.

تأثير استمرار الأزمة سيشمل كذلك -إضافة إلى الحرب على الإرهاب- ملفات أخرى حيوية، ليس فقط للولايات المتحدة ولكن للملكة العربية السعودية أيضاً، على رأسها ملفا إيران وسوريا وغيرهما.

ثالثاً: التأثير الأكبر لاستمرار الأزمة سيكون على مصداقية الولايات المتحدة وهيبتها وقدرتها على الحسم في الساحة الدولية، لا سيما أن سمعتها لم تسترد عافيتها من الضرر الذي لحق بها نتيجة ثماني سنوات من الإدارة المرتبكة للرئيس السابق أوباما.

وكما أطاح “انتهاك الخطوط الحمر السورية” بمصداقية إدارة أوباما على الساحة الدولية، فإن “العجز عن تسوية نزاع الحلفاء” سيطيح بمصداقية إدارة ترمب هذه المرة. أول ضحايا فقدان المصداقية الناتجة عن عدم القدرة على تسوية خلاف الحلفاء؛ سيكون التشكيك في قدرة واشنطن على صياغة تحالفات مستقبلية، ومن يدري فلربما يشمل التأثير التحالفات الحالية.

الخسارة بشكل خاص ستصيب الإدارة الأميركية نفسها، فقد تفاقم الأزمة صراع الأجنحة وتحديداً بين وزير الخارجية ريك تيلرسون وجاريد كوشنر (صهر الرئيس ترمب) الذي عمل على مشاكسة رئيس الدبلوماسية الأميركية، تحديداً في تعييناته لكبار مستشاريه في الخارجية الأميركية.

تسوية الأزمة أصبحت مرتبطة بشكل أدق بمصداقية وزير الخارجية وربما بمستقبله السياسي، حيث بدأ كثيرون في أروقة الإدارة الأميركية ينظرون للأزمة الخليجية على أنها اختبار لقدرات تيلرسون في السياسة الدولية، وبدأت الأصوات تتعالى بانتقاده -بشكل شخصي- على عدم استخدام قدراته في إدارة إحدى كبريات شركات النفط العالمية (إكسون موبيل) لتسوية أزمة من هذا القبيل. فاستمرار الأزمة وفشل الوزير في وضع حد لها سيكون له ثمن كبير بدون شك.

مرتكزات التسوية

استمرار الأزمة سيشمل الجميع وبدون استثناء، والمجموعة الدولية ليست بمنأى عن الضرر الذي ستلحقه بهم. لذا لا بد للتسوية من أن تكون أولوية. وأمام جهود التسوية الدولية عدد من المرتكزات لا يمكن القفز فوقها إن أراد الساعون في التسوية نهاية حقيقية لشبح الأزمة، وأهم هذه المرتكزات:

– تمثل الكويت جانب “الشرعية” في التدخل؛ فلا بد من تعزيز جهودها وتوفير الدعم اللازم لنجاحها. فالكويت إحدى الدول المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، والمشكلة أولا وأخيراً في قلب البيت الخليجي، ويمكن لاستمرارها أن يهدد استمراريته.

كذلك فإن القبول بالكويت وسيطا من جميع أطراف النزاع يعتبر فضيلة في حقل الوساطة وتسوية النزاعات الدولية، فلا تحظى الوساطات الدولية عادة بهذا المستوى من التقدير لحياديتها واستثمارها البنّاء في تسوية عادلة.

ويتضح ذلك إذا قارنا ذلك مثلا بالوساطة الأميركية في النزاع الفلسطيني/الإسرائيلي، أو كيف تعرض الوسيط الأممي في اليمن مؤخراً لمحاولة اغتيال من قبل أحد أطراف النزاع. الشرعية والحياد في التدخل الكويتي إذن يشكلا بارقة أمل في إحداث تقدم باتجاه التسوية، ولكن ذلك ليس كافيا إذ ليس “بالشرعية وحدها تحل النزاعات الدولية”.

– الشرعية حتى تكون فعالة لا بد من أن ترافقها القوة ووضوح الموقف والحسم في التدخل. الجانب الدولي كان حاسماً فعلاً في رفضه للتصعيد، وقد آتى حسمه ثماره فوراً فتم استبعاد الخيار العسكري والكثير من الإجراءات التصعيدية المحتملة.

لكنه لم يكن على نفس الدرجة من الوضوح في إيجاد تسوية للأزمة، فبقي الطرف الدولي مشتتاً بين هذا الموقف وذاك، وظهر أنه فاقد للبوصلة أحيانا كثيرة، وغلبت عليه العشوائية أكثر من التدخل الممنهج، والانشقاق في الموقف الأميركي بين البيت الأبيض ومؤسسات الحكم الأخرى (مثل الخارجية والدفاع) خيرُ دليل على ذلك.

– إن أكثر موضوعين ارتبك فيهما التدخل الدولي في هذه الأزمة هما الإرهاب والإعلام. وللخروج من هذه المتاهة يمكن اعتماد تعريف واحد محدد يستند إلى معايير دولية -كالتي تتبناها الأمم المتحدة- في تعريف الإرهاب، وبعدها تصبح العملية ميكانيكية أكثر منها جدلية؛ بحيث يتم فحص ما إن كان دعم قطر أو غيرها لهذا الطرف أو ذاك ينطبق عليه التعريف الدولي للإرهاب.

– أما ما يخص الإعلام؛ فيمكن تفعيل القضاء على المستوى الدولي، بحيث تقام الدعاوى ويخضع للمحاكمة كل من ينتهك قوانين معينة تؤدي إلى الإضرار بهذا الطرف أو ذاك. لا يوجد في القانون الدولي ما يستدعي إغلاق محطات إعلامية لأن تغطيتها لا تتناسب ومواقف سياسية معينة.

وبدلا من ذلك؛ تمكن ملاحقتها قضائياً واتخاذ إجراءات صارمة بحقها إذا وُجد انتهاك من طرفها لجوانب قانونية أو أخلاقية، وهذا ينطبق ليس فقط على قناة فضائية محددة بل على الجميع بدون استثناء، بما فيها المحطات الإعلامية الأميركية نفسها.

وبالمناسبة، فالمحاكم الدولية تعجّ بالمحاكمات والدعاوى ضد هذا الطرف الإعلامي أو ذاك، ومن مصلحة المجتمع الدولي ككل -بما فيه الأطراف المتنازعة خليجياً- أن يتم ترسيخ القانون والاحتكام إلى القضاء، بدل أن يدخل الوسطاء الدوليون في متاهات التعريفات المختلفة للإرهاب والنشاط الإعلامي على اختلاف مصادره.