الإعلام من منظور طبيعة النظام السياسي

ثمة عوامل عدة أدت، ولا تزال تؤدي، دورا كبيرا في التأثير على فاعلية ونجاعة العلاقة بين الإعلام والسياسة، وعلى طبيعة ذات العلاقة نفسها في الزمن والمكان. ترتبط العوامل إياها بنوعية النظام السياسي وطبيعته، ثم بشكل نظام التواصل والإعلام السائد فيه، بالإضافة إلى العوامل العامة التي تؤثر في كل بنية مجتمعية، وأخيرا العوامل الخارجية، المتمثلة بالأساس في طفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال، وتحديدا في الطفرة التي طالت الشبكات الرقمية، منذ ظهور الإنترنت وإلى حين انتشار شبكات التواصل الاجتماعي.

لا بأس من التذكير، بخصوص هذه النقطة، بأن العالم قد شهد، بعد سقوط جدار برلين و”انتصار الليبرالية”، ثورة ديموقراطية واسعة، تجلت في “اندحار معظم الأنظمة الشمولية وانعزال المتبقي منها. وتبنت دول العالم، بما فيها الدول النامية، الممارسة الديموقراطية من خلال اللجوء إلى الانتخابات وصناديق الاقتراع، وكثر الحديث عن الديموقراطية الحزبية ونهاية حكم الحزب الواحد، والحديث عن حرية وسائل الإعلام والتواصل، من خلال توجه بعض الدول لتوسيع مجال حريتها، فيما فضلت دول أخرى البدء بتنظيم المؤسسات السياسية لديها على أسس ديموقراطية”.

ولذلك، فقد كان لهذا المناخ السياسي الجديد (منذ بداية تسعينيات القرن الماضي تحديدا) أثر كبير على وسائل الإعلام، بنى تحتية وفاعلين وطبيعة أداء. وقد تجلى ذلك في “رؤية السلطة السياسية لدور المواطن، ومدى توافر التنظيمات الشعبية والمجالس النيابية المختلفة ورؤية السلطة للنظام الإعلامي. أما المشاركة التي تمارس في المجتمعات الغربية، فترتبط بالإطار الدستوري والمؤسسي، الذي يشمل التعدد الحزبي والجماعات المصلحية والبرلمان وأجهزة الحكم المحلي”.

وقد تكرس ذلك على النقيض من فلسفة النظم الشمولية، حيث الدولة ممثلة بنظامها السياسي وتحكمها في وسائل الإعلام والتواصل، هي التي تعمل على إخضاع هذه الأخيرة لتوجهاتها وأهدافها، فيصبح الصحفيون والإعلاميون مجرد موظفين في دوائر الدولة، يعملون على تنفيذ كل ما يطلب منهم، من خلال الدعاية للنظام السائد وإنجازاته، وتجميل صورته أمام الجماهير الداخلية.

فـ”الأنظمة غير الديموقراطية في دول العالم الثالث، باستثناءات قليلة، تكون وسائل الإعلام فيها خاضعة للسلطة، ومنفذة لتوجهاتها وملبية لأوامرها، وساعية باستمرار لخدمة أهدافها. ولهذا، فإن مثل هذه العلاقة أحادية الجانب، لا يمكن لوسائل الإعلام أن تقوم بأي دور أو تسهم في أي حدث، وهو ما ينعكس سلبا على اتجاهات الجمهور نحوها وتصوره لأدوارها”.

يترتب على ذلك فقدان الجماهير للثقة في السلطة وفي وسائل الإعلام معا، مما يؤدي إلى العزوف السياسي، أو اتجاه الجمهور إلى قنوات التواصل الخارجية الأخرى، للبحث عن المعلومة واستقاء الخبر ومعرفة المستجدات.

تنوع الأنظمة السياسية ونظرتها إلى وسائل الإعلام والتواصل، واتساع قاعدة المشاركة السياسية، يؤثر بشكل مباشر في وعلى الإعلام والتواصل السياسيين

الخلاصة الأولية مما سبق؛ إنما القول بأن تنوع الأنظمة السياسية ونظرتها إلى وسائل الإعلام والتواصل، واتساع قاعدة المشاركة السياسية أو ضعفها، والإيمان بالديموقراطية أو انعدامه، واختلاف القوانين الضابطة لوسائل الإعلام والاتصال، كل هذا وغيره يؤثر بشكل مباشر في وعلى الإعلام والتواصل السياسيين.

من جهة أخرى، فالملاحظ أن أهمية وظائف التواصل السياسي تتأثر بشكل كبير بعوامل؛ تحددها حصرا طبيعة التنظيم الإعلامي السائد في هذا البلد أو ذاك:

– فهناك تمييز بين نمط الملكية السائد لوسائل الإعلام والتواصل، يتراوح بين مؤمم، خاضع للسلطة، وآخر مستقل، تطور مع الزمن إلى إمبراطوريات إعلامية ضخمة، راهنت على البعد الاقتصادي والربحي على حساب الجوانب الأخرى. مسألة مركزية الملكية أساسية هنا؛ لأنها تشي بمستوى الاحتكار القائم أو بمنسوب المنافسة الممكنة. وتشي أيضا بجهة التموقع من الدولة خصوصا، ومن النظام السياسي بوجه عام.

– وهناك تمييز على أساس مصادر التمويل التي تؤثر على سياسات وسائل الإعلام والاتصال وتوجهاتها العامة، الفنية منها كما ذات الطبيعة الإيديولوجية سواء بسواء. ومن هذه المصادر، نجد موارد الإشهار والمساعدات الرسمية وغير الرسمية. أما بالنسبة لوسائل الإعلام التجارية، فإنها تحرص فيما تطرحه من مواضيع وقضايا على عدم معاداة جماهيرها ومعلنيها، كما تتحاشى أن تظهر تأييدا قويا لسياسة معينة أو أخرى، وبالتالي، تكون متوازنة، بينما تعمل وسائل الإعلام الحكومية على الترويج لسياسات الدولة الداخلية والخارجية.

– وهناك تمييز ينطلق من شكل العلاقة بين وسائل الإعلام ومصادر المعلومات، لا سيما في ظل النظم التي لا تتوفر على قوانين للولوج إلى المعلومات، أو النفاذ إلى مصادرها، أي تلك التي لا تزال تحتكر المعلومة العمومية أو تحول دون نشرها وترويجها.

– ثم هناك التمييز القائم على دور الرقابة، إذ هي في الدول الغربية، رقابة ذاتية تمارسها المؤسسات الإعلامية على نفسها، دونما حاجة لتدخل مقص الرقيب، عكس الدول النامية حيث يسود التعتيم وإعلام السلطة، وتتسيد قيم الحذر المتبادل. إلا أن المؤسسات الإعلامية بالدول الديموقراطية هي في الغالب الأعم، ملك كبار الرأسماليين، هم من “يقرر سياستها وفقا لخطهم السياسي، وليس هيئة التحرير، وهذا بحد ذاته نوع من أنواع الرقابة المستترة والمفروضة ضمنا على هذه الوسائل، مما يحد من التنوع في الفكر ومن التعدد في المحتوى. وهو موضوع سنعود له بمناسبات قادمة.