الانقسامية في الحقل الحزبي المغربي: أو حين تصدر الدولة أزمتها للأحزاب

عقب النتائج التي أسفرت عنها انتخابات السابع من أكتوبر 2016، بدأت تدب إلى الأحزاب السياسية المغربية، أو إلى الأحزاب الرئيسة في المشهد السياسي، حالة من الانقسام والصراع بين مكونات الحزب وحساسياته.

صراع تتشابه سماته، رغم الاختلاف الواضح بين توجهات هذه الأحزاب ومواقعها من الحكم وتركيبتها الاجتماعية: صراع حول القيادة، وعلى الخط السياسي وتوجهات المرحلة، وصراع أيضا على التموقع في الحك أو منه.

حزب العدالة والتنمية، الذي كان من المفترض أن يحصن نفسه من هذه الحالة، بحكم أنه تصدر نتائج الانتخابات، اندمج بشكل جزئي في هذه الحالة، نتيجة الدينامية السياسية التي انخرط فيه بعد إعفاء رئيس الحكومة المعين عبد الإله بنكيران، فقبل الدخول للحكومة بشروط الدولة، ونتج عن مخرجات التفاوض خلاف عميق بين مكونات الحزب حول تقييم المرحلة، وطبيعة الخط السياسي للحزب، ونوع القيادة التي يمكن بها أن يتم تنزيل أطروحة النضال الديمقراطي.

أما حزب الاستقلال، والذي كان ربما الخاسر الأكبر من نتائج انتخابات السابع من أكتوبر، فقد نتج عن الضغوط التي مورست من قبل الدولة لمنع دخوله للحكومة، أزمة داخلية، انتهت إلى الانخراط في حالة من الانقسامية بين ثلاث مكونات في الحزب، مكون يلقي باللائمة على القيادة الحالية للحزب وخياراتها السياسية، ومكون يتهم غريمه بالتواطؤ مع جهات في الدولة من أجل الإجهاز على الخط الديمقراطي الإصلاحي داخل الحزب، ومكون ثالث يريد الخروج من هذه الشرنقة، دون أن يكون عنده وضوح كاف بخصوص خياراته على مستوى القيادة والخط السياسي.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أنشأته الدولة عقب انتخابات 2007 لاستعادة التوازن السياسي وإضعاف حزب العدالة والتنمية، فدخل هو الآخر في أزمة مماثلة، فعلى الرغم من التقدم الذي حصله على مستوى نتائج انتخابات 2016، إذ حصل على الرتبة الثانية ب 102 مقعدا، إلا أنه هو الآخر دخل في حالة من الانقسامية الشديدة بسبب فشل رهان سياسي للدولة كان يتمثل في منع سيناريو تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج الانتخابات، إذ يعيش الحزب اليوم على إيقاع صراع محموم حول القيادة وتبادل اتهامات وتصفية حسابات مع القيادة المستقيلة وأتباعها الذين يلاحقون بتهمة مراكمة ثروات ضخمة والاغتناء من وراء تنفيذ أجندة الدولة وتنفيذ خيارات القائد بشكل حرفي.

حزب الاتحاد الاشتراكي كان الأسبق إلى الاصطلاء بحالة الانقسامية هذه، إذ لم تهدأ حرارتها منذ إطاحة الدولة بالمنهجية الديمقراطية واختيارها لرئيس حكومة من خارج الحزب المتصدر للانتخابات وقتها (الاتحاد الاشتراكي) واندلاع النقاش الداخلي في صفوف الاتحاديين على خلفية نشارك في حكومة إدريس جطو أم لا نشارك، ويبدو أن امتداد هذه الحالة الانقسامية في الحزب، وبشكل حاد، تسبب في هجرة القيادات الاتحادية إلى منطقة الظل والترقب والانتظار، والمرجح أن الديناميات الحالية تسير في اتجاه تجدد هذه الحالة على خلفية نفس النقاط: القيادة، والتوجه السياسي، والتموقع من الحكم وقضايا الإصلاح والديمقراطية.

خطاب العرش لهذه السنة كان مؤلما وقاسيا، فبسبب الأزمة التي تعيشها الدولة من الداخل على خلفية فشل رهان سياسي في التحكم في الحقل السياسي، وبسبب بروز بعض آثاره في منطقة الحسيمة في شكل حراك شعبي عجزت الدولة في التعاطي السياسي معه، تلقت الأحزاب السياسية نقدا غير مسبوق وصل حد إعلان الملك عن عدم ثقته في الأحزاب، وهي الإشارة التي فهم منها أن الدولة ستستمر في التدخل في الأحزاب السياسية، وأن تدخلها هذه المرة سيكون قيصريا بتغيير القيادات، ولو كان ذلك خارج الطبيعة.

الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة إلياس العماري استقال عقب الخطاب. ربما فهم من الخطاب أن مهمة القيادات الحالية قد انتهت لأنها فشلت في تحقيق رهان الدولة، وربما احتج بطريقته بهذه الاستقالة تعبيرا منه على تنكر الدولة للخدمات التي قدمها، أما الأمين العام لحزب الاستقلال السيد حميد شباط، فاختار مواجهة رهان الدولة ومرشحها على حد تعبيره، فيما اختار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد عبد الإله بنكيران بذكاء ترك موضوع تغيير القانون الأساسي لتمكينه من فرصة أخرى لقيادة الحزب في حالة انتخابه بيد المؤتمرين. أما الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي السيد إدريس لشكر، فلا يبدو أنه سيبدي مقاومة ما إذا تبين له أن إعادة انتخابه سيسير في اتجاه معاكس لرهان الدولة.

لحد الآن، لا وضوح في رهانات الدولة سوى الرغبة في تغيير قيادات الأحزاب وضمان قربها التام من أطروحتها، مع إضعاف كل القيادات التي تناهض أطروحة الضبط والتحكم، وتنتقد واقع التراجع الديمقراطي واستعادة الدولة للهوامش التي أخذت منها زمن الربيع العربي.

الشيء الوحيد الواضح عندها، هو إضعاف حزب العدالة والتنمية ومنعه في الاستحقاق القادم من تصدر الانتخابات، أما ماذا تفعل بحزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشأته وصار عبئا ثقيلا عليها؟ فلحد الآن يسود الغموض والتردد في الخيارات بين طرح لا يزال مقتنعا بدور إلياس العماري، ولا يرى أي مستقبل لهذا الحزب من دون هذه القيادة، وبين طرح يرى أن مشكلة هذا الحزب وفشل رهانه يتمثل في هذه القيادة وأتباعها الذين انحرفوا بهذا الرهان عن سكته، فصارت الدولة بنفسها في حالة من انقسام الرأي بين خيار إصلاح حزبها، وبين خيار تفويته لأحزاب أخرى.

الخلاصة أن الدولة التي تعيش أزمة غير مسبوقة، بدل أن تفكر في خيارات جدية للخروج من المأزق، فضلت أن تركب الأطروحة الانقسامية لعلها تصدر الأزمة إلى الأحزاب، فينتج عن تغيير القيادات تغير في مزاج الراي العام عن المشهد السياسي ودينامياته، أي أنه بدل الاشتغال على تعديل الجوهر السلطوي، اتجهت الدولة إلى خيار التدخل لتغيير فسيفساء الحقل الحزبي، للإيهام بحصول تغيير كلي في النسق يغري الجمهور بمحاولة تجديد الثقة.

لكن المكلف في هذه الخيارات، أن حالة الانقسامية هذه يمكن أن تمتد حتى للدولة نفسها، خاصة إذا فشلت بعض الرهانات، أو لم تنجح بشكل كامل، أو حدثت متغيرات في المشهد السياسي أو المحيط الدولي والإقليمي، وهذا ما حصل في حالة حراك الحسيمة، ويحصل في حالة مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، ويمكن أن يحصل في حالة ممانعة التنظيم الداخلي لبعض الأحزاب لرهانات الدولة وخروج نتائج مؤتمراتها على خلاف ما تهواه، ويمكن أن يحصل أيضا في حالة اندلاع حراك داخلي كلي أو جزئي يلفت إلى مشكلة الجوهر السلطوي.