الحراك الإيراني.. ومقدمات التقسيم الأمريكي للسعودية

التطورات التي تعيشها إيران، واستمرار الاحتجاجات بها لمدة أسبوعين إلى اليوم، وردود الفعل الدولية التي أعقبتها، تثير أكثر من سؤال.

يبدو أن المملكة العربية السعودية، ومعها الإمارات والبحرين، اطمأنت كثيرا لهذا الحراك، ورأت فيه مقدمات لتحلل الهلال الشيعي في المنطقة، وبداية انهيار مسار التوسع الإيراني فيها.

ماذا لو سقطت بالفعل الثورة الإيرانية ونظامها؟ وهل الآثار المترتبة عن ذلك، ستخدم الأمن الخليجي، وستدفع نحو تقوية النظام العربي؟

لكن، في العمق، وحتى ولو سايرنا هذه النظرة التفاؤلية الكبيرة التي تطبع رؤية هذه الدول، فإن السؤال الاستراتيجي الذي يبقى مطروحا عليها، والذي يتطلب جوابا متأنيا، هو: ماذا لو سقطت بالفعل الثورة الإيرانية ونظامها؟ وهل الآثار المترتبة عن ذلك، ستخدم الأمن الخليجي، وستدفع نحو تقوية النظام العربي؟

المعطيات المتوفرة، والديناميات الجارية، تؤكد أن مثل هذا التحليل، أو التقدير من صناع القرار السياسي، يبقى في أحسن أحواله مجرد حلم وردي، وأن الدور الإيراني في المنطقة ليس صنيعة إيران لوحدها، وإنما هو خلاصة تقدير دولي، انخرطت فيه إرادات دولية كبيرة، يستحيل رفعه بمجرد إثارة حراك هنا أو دعمه هناك.

لنتذكر جيدا الحراك الأوكراني، والأهداف الاستراتيجية التي كانت تؤطر اتجاهات السياسة الأوربية والأمريكية من وراء ذلك، وكيف انتهى الأمر بعد ذلك، وصارت روسيا أكثر تأثيرا في مسرح العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر بمثابة الثقل الاستراتيجي لأمريكا.

نعم، ثمة تغيرات تكتيكية مهمة في السياسة الأمريكية اتجاه إيران، فترامب، ومعه الحزب الجمهوري، يحمل أجندة مختلفة عن أوباما والحزب الديمقراطي في شكل التعاطي مع الملف النووي الإيراني، وأيضا مع توسع نفوذها في المنطقة، وبشكل خاص تنامي دور حزب الله، ليس فقط في لبنان، ولكن أيضا في سوريا، إذ أصبح يحتفظ بمنطقتي تماس مع الكيان الصهيوني، وهو ما يدق ناقوس خطر مضاعف بالنسبة لثوابت السياسة الأمريكية في حماية الأمن الإسرائيلي.

التكتيكات الجديدة، والتي تحاول أن تجرب مفاعيل الحراك الشعبي الداخلي لخلق واقع الفوضى من الداخل، يصعب الرهان عليه كثيرا في الحالة الإيرانية، إذ تملك إيران خيارات واسعة لاحتواء هذا الحراك

لكن، هذه التكتيكات الجديدة، والتي تحاول أن تجرب مفاعيل الحراك الشعبي الداخلي لخلق واقع الفوضى من الداخل، يصعب الرهان عليه كثيرا في الحالة الإيرانية، إذ تملك إيران خيارات واسعة لاحتواء هذا الحراك، إن على مستوى القاعدة الشعبية المعارضة له، والتي يمكن أن توظفها لملأ الشارع، أو على مستوى الموراد المالية التي يمكن أن توظف بعضها لتهدئة الاحتجاجات ذات الطبيعة الاجتماعية، أو على مستوى تحريك الديناميات السياسية الداخلية لاحتواء هذا التصعيد. وفي أسوأ الحالات، فإن القوة العسكرية والأمنية التي تتوفر عليها إيران، والصلابة المؤسسة للدولة، بالإضافة إلى حجم الدعم الديني، والشعبي الذي تحظى به، يمكن أن يطوق هذا الحراك ويحتويه.

والحقيقة، أن هذه الاعتبارات ليست خافية عن السياسة الأمريكية، فهي تدرك تماما، أن مثل هذا الحراك لا يمكن أن يصل مداه إلى إسقاط النظام، خاصة، وهي تملك معطيات كافية عن حراك 2009، مع ما بينه وبين حراك نهاية 2017 من فروق، وكيف استطاع النظام الإيراني احتواءه، والتقدم خطوات كبيرة في سياسته الخارجية.

ولذلك، التقدير؛ أن السياسة الأمريكية والأوربية، من خلال الدعم السياسي الموجه للحراك الإيراني، لا تريد أكثر من التقليص من حجم اتجاهات السياسة الإيرانية الخارجية، وشغل إيران بالداخل، ولفت انتباه الداخل الإيراني إلى أن سبب الأزمة التي يعيشها المواطن الإيراني؛ هو ما تنفقه إيران في سياساتها الخارجية من جهة، وفي سياساتها العسكرية، وبالأخص في برنامجها النووي.

لقد فشلت سياسة أمريكا، بشكل كامل، في أن تثني إيران عن المضي في سياساتها الخارجية لتوسيع نفوذها الإقليمي في المنطقة، وفشلت مرة ثانية في أن تضطرها إلى إيقاف برنامجها النووي

بعبارة أخرى، لقد فشلت سياسة أمريكا، بشكل كامل، في أن تثني إيران عن المضي في سياساتها الخارجية لتوسيع نفوذها الإقليمي في المنطقة، وفشلت مرة ثانية في أن تضطرها إلى إيقاف برنامجها النووي، رغم الاتفاق الذي أبرمته معها الإدارة الأمريكية السابقة بهذا الخصوص، وهي اليوم تبحث عن خيارات أخرى لتحقيق ما فشلت فيه، بعد أن وصلت مخرجات السياسة الخارجية الإيرانية إلى منطقة التماس مع الخطوط الحمر المؤطرة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وبشكل خاص، ما يرتبط بالاستراتيجية التي تمهد لتنفيذها في المملكة العربية السعودية.

بعض التقديرات ترى أن التغير المفاجئ في السياسة الأمريكية اتجاه إيران، لجهة إلغاء الاتفاق النووي معها، والاستثمار الضخم في تفجير الوضع الإيراني من الداخل، جاء على خلفية الاستهدفات التي أصابت جدار الأمن السعودي، بعد أن وجه الحوثيون صواريخ إلى الرياض، اقترب أحدها من مقر الإقامة الملكية.

والحقيقة، أن هذا التقدير صحيح في بعض حيثياته، لكن ليس إلى درجة الاعتقاد بأن ما حمل الاستراتنيجية الأمريكية على التحرك هو التصعيد الحوثي الذي بلغ هذا السقف. فالاستراتيجيات التي تراهن على تفجير الوضع الداخلي لبعض البلدان، كما حصل في تركيا أثناء أحداث تقسيم، تتطلب شهورا، وربما سنة أو سنتين من التحضير، بتوافقات دولية في الرؤية، وتنسيقا استخباراتيا، وتحينا للظروف المواتية.

ما يجري في إيران لا يمكن اعتباره وليد أسبوع أو أسبوعين من الحراك، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية

معنى، ذلك، أن ما يجري في إيران لا يمكن اعتباره وليد أسبوع أو أسبوعين من الحراك، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية، عينها ليست بالضرورة على إيران، وإن كان ما يجري من تفجير الوضع الداخلي هناك، بإرادة دولية مدعومة أمريكيا وأوربيا، يقصد منه خلق شروط أفضل، لتحييد دور إيران في هذه اللحظة، وتيسير تنفيذ الخطوات التي عرقلت بعض السياقات تنفيذها في مراحلها المرسومة.

وحتى تتضح الصورة أكثر، يصعب أن نقرأ ما يجري في إيران بمعزل عما يجري من تسويات داخل السعودية لترتيب الوضع السياسي الجديد، ويصعب أيضا أن نقرأ أيضا ما يجري من ديناميات لترتيب انتقال الحكم داخل السعودية، بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية فيها، والتي ترمي في العمق أن تخلق الشروط السياسية لتقسيم المملكة، وتنفيذ بقية أجندتها في المنطقة.

المقصود شغل إيران بداخلها، والتقليص من مخرجات سياساتها الخارجية لمدة من الزمن؛ تكفي لإجراء الترتيبات المرجوة في السعودية

تركيب الصورة، أن المقصود بالحراك في إيران ليس مجرد تفجير الوضع من الداخل، بقصد خلق شروط خميرة ثورية جديدة لإسقاط النظام، ولكن المقصود شغل إيران بداخلها، والتقليص من مخرجات سياساتها الخارجية لمدة من الزمن؛ تكفي لإجراء الترتيبات المرجوة في السعودية، والتي لا تعني أكثر من خلق الشروط السياسية لتقسيمها. فأمريكا التي فشلت منذ مدة طويلة في تنزيل هذا المخطط؛ أدركت أن الجزء الأكبر في فشله وإخفاقه يعود إلى ديناميات إيران في المنطقة، والتي تخلق سياقات معاكسة لخارطة طريق التقسيم التي اعتمدتها في المنطقة.