تساؤلات حول قانون الصحافة الإلكترونية في المغرب

دخل قطاع الصحافة والنشر في المغرب منعطفاً حاسماً مع صدور قانون جديد للصحافة والنشر يهدف إلى مواكبة التحولات في المشهد الإعلامي المرئي والمسموع والمكتوب والرقمي، سواء على مستوى الانخراط في ثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال أم على مستوى مواكبة خطاب الحراك السياسي والثقافي الذي تعرفه البلاد في عهدها الجديد، خصوصاً خلال سنوات انفجار الربيع العربي وثورة الياسمين في تونس التي حتمت على الدولة مراجعة مقارباتها لمختلف آليات التدبير السياسي والحقوقي توجت بإقرار دستور جديد من أجل الانحناء للعاصفة والانتقال بالبلاد إلى منعطف تاريخي ديموقراطي جديد عبر ثورة هادئة بأقل الخسائر.

لقد عرفت ولادة مدونة قانون الصحافة والنشر مخاضات وتجاذبات بين مختلف الفاعلين والمهتمين والمهنيين منذ تشكيل أول حكومة مغربية بعد صدور الدستور الجديد حيث فتحت أوراش تم تدشينها بتنظيم أول ملتقى وطني للصحافة الإلكترونية.

هذا الملتقى الوطني الأول الذي كشف الغطاء عن جيش من المواقع الإلكترونية المشاركة التي ناهزت 300 موقع من مختلف مدن المغرب وقراه، أظهر في شكل ملموس خطورة هذه الظاهرة الإعلامية الرقمية الجديدة، بعد أن أصبحت المعلومة تأتي من الهوامش المنسية وليس من المركز التقليدي، الرباط والدار البيضاء.

ومما لا شك فيه أنه في الوقت الذي كانت تجتاح هذه المواقع الإلكترونية المشهد الإعلامي البديل زاحفة في صمت بدوافع ذاتية وموضوعية وسوسيولوجية، منها النزوع الشبابي الطبيعي لإثبات الذات واكتشاف آفاق نشر جديدة في منصات العالم الشبكي ووجود فائض من الوقت في زمن البطالة، ومنها أيضاً سهولة إنشاء منبر إخباري إلكتروني سيار على الإنترنت وبأقل كلفة مادية، مقارنة مع الاستثمارات المالية الضخمة التي تتطلبها المنابر الإعلامية في الصحافة المكتوبة على الخصوص، وأخيراً إغراءات عائدات إشهار شركة غوغل وغيرها، في ظل تناسل هذه المواقع كان الفاعلون التقليديون في مجال الإعلام الورقي يستخفون بهذا الوافد الجديد باعتبار أن أمد ضجته لن يطول وأن مصيره إلى زوال، على غرار كثير من الظواهر التكنولوجية الحديثة التي تظهر وتختفي، غافلين أو متغافلين بأن الأمر يتعلق بمصير مادتهم الخام (المعلومة والخبر) وقوتهم اليومي الذي بات على كف عفريت الإنترنت.

غير أنه مع مرور الوقت واضطرار صحف عالمية عملاقة إلى إطلاق نسخها الإلكترونية وتسريح الألوف من عمالها لترشيد نفقاتها في ظل وضعها الرقمي الجديد وصعود دعامات إخبارية إلكترونية، مثل مواقع التواصل الاجتماعي وتعاظم سبق انتقال المعلومة والخبر يوماً بعد يوم من السند الورقي إلى السند الإلكتروني، فضلاً عن اتساع ثقافة إعلامية رقمية جديدة خاصة بمعالجة المعلومة والخبر وإمكانية نشره في حينه، كل هذا أدى إلى سحب البساط من تحت أقدام الوسائط التقليدية برمتها وانتقالها جميعها إلى ما يمكن تسميته بـ «المنبر الإعلامي الفائق»، أي المنبر الرقمي الذي تلتئم في منصته كل أنواع المعلومة المكتوبة والمسموعة والمرئية والصورية. هذا الانقلاب الهائل والمفاجئ في طرق التواصل فتح شهية كثر من الصحافيين للمغامرة والانخراط في هذه الدعامة الصحافية الجديدة معتمدين على تكوينهم الأكاديمي وتجاربهم في المنابر الإعلامية، مقارنة مع الشباب الهواة الذين لا يملكون تكويناً صحافياً أو ثقافة إعلامية واسعة أو حتى دراية بأبسط طرق تحرير ومعالجة المادة الخبرية، غير ما اكتسبوه ذاتياً من نزر يسير من ثقافة معلوماتية في شؤون الرقمنة والبرمجة وقواعد النشر الإلكتروني.

وإذا كانت فاكهة الصحافة الإلكترونية قد نضجت اليوم فالفضل يعود أساساً إلى انصهار تجربة السابقين من الشباب من رواد الفضاء الأزرق من جهة، ومن جهة أخرى إلى تجربة اللاحقين من بعض الصحافيين الورقيين المستقلين، خصوصاً من جيل أواخر التسعينات الذين أغنوا المواقع الإلكترونية باحترافهم و «دهائهم الإعلامي».

إن نضج هذا التراكم الذي حتّم على الدولة اليوم إقرار مدونة للصحافة والنشر يعود الفضل فيه إلى هؤلاء الشباب المستكشفين الأوائل لهذا الكوكب الأزرق، تلك الغالبية الصامتة التي غبنتها مدونة الصحافة والنشر بعد سنوات أفنتها من عمرها في البحث والاجتهاد المعلوماتي والرقمي والتأسيس لإعلام إلكتروني مغربي يرفع رأسنا عالياً بين الأمم.

إن بعض هذه البنود «المجحفة» التي ستكون السبب في الحكم على العشرات من المواقع الإلكترونية بـ «الإعدام» وتكبيل عديد من الطاقات الواعدة في مجال الإعلام الرقمي، تم تسطير بعضها، تارة بمشاورات علنية (ملتقيات واستمارات واجتماعات وغيرها) وتارة أخرى بتمرير بعضها بتحالفات إن لم يكن بـ «تواطؤات» سرية بين الجهات الوصية ونخبة من الصحافيين الورقيين المستقلين، وكان الهدف الأساسي من فرض «تأشيرة» البطاقة المهنية على مدراء المواقع الإلكترونية هو إقصاء هؤلاء الشباب الرواد الأوائل، من أجل السيطرة على سند إعلامي واعد في المستقبل.

وإذا كان الهدف الأساسي إذاً من مدونة الصحافة والنشر الجديدة هو ربط المعلومة الرقمية بالمحاسبة القانونية والضبط الأمني لمشهد الإعلام الرقمي، فقد كان من الأولى بالجهات الوصية والنقابات الفاعلة في قطاع الإعلام التفكير في إقرار آليات قانونية تنصف هؤلاء الرواد المستكشفين الأوائل وتمكّنهم من مداخل متاحة للاستمرار في اهتمامهم بالنشر الإلكتروني، اعتماداً على شرعية أقدمية الموقع التاريخية، وأيضاً اعتماداً على التزام إدارة الموقع بأخلاقية النشر وخلو أرشيفه من كل أنواع الابتزاز والنصب والتغليط الإعلامي والدفاع عن ثوابت الوطن التي أقرها الدستور( الإسلام والوحدة الترابية والمَلَكية).

إننا لا نختلف في كون أن هذا القطاع قد عرف منذ انفجار الربيع العربي فوضى غير مسبوقة، سواء على المستوى التكاثر المريب أم على المستوى الأخلاقي والتطاول على حقل له قواعده وضوابطه وآثاره الوخيمة على استقرار البلاد والسلم الاجتماعي. إنها فوضى تتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى الشركات المختصة في تصميم المواقع الإلكترونية وإطلاقها، خصوصاً إحدى الشركات المشهورة التي ربما ساهمت في خلق أكثر من ثلثي هذه المواقع من دون ضوابط قانونية ولا معايير أخلاقية سلوكية أو مهنية، عدا ما تعلق من أغلفة مالية يستثمرها الشباب المغامرون الباحثون عن أصواتهم الذاتية الضائعة في ضجيج مجتمع فقد بوصلته السياسية والاقتصادية وحتى الأخلاقية.

من المؤكد أن مدونة الصحافة والنشر أجابت على كثير من الأسئلة الشائكة المتعلقة بالصحافة الإلكترونية، لكن تبقى أسئلة أخرى جوهرية تبحث عن أجوبة دائمة لها للمحافظة على الإرث السابق. لكن ما حدث أن هؤلاء الرواد الأوائل الذين شيدوا صرح هذه الصحافة الإلكترونية اليوم وعبّدوا طريقها وخلقوا الملايين من قرائها ومتلقيها، باتوا هم آخر من يعلم، وأن زمرة الملتحقين الجدد الذين كانوا بالأمس القريب يستخفون بدور الإعلام الرقمي هم من أغلقوا الأبواب على أنفسهم ليستفيدوا اليوم وحدهم من كعكة الصحافة الإلكترونية الواعدة.