عاشت ديمقراطيتنا المجيدة!

عبد العلي حامي

 

ها نحن أيها السادة نشق طريقنا بإصرار في مسيرة الانتقال الديمقراطي.. ها نحن نتحول رويدا رويدا نحو المجهول الديمقراطي.
هنيئا لنا بديمقراطيتنا العتيدة، وهنيئا لنا برسوخ مسار احترام حقوق الإنسان إلى درجة نحسد عليها..
فمن الآن فصاعدا تعدكم وزارة الداخلية “ووعد الحر دين عليه”، بأن تلتزم بإصلاح جميع الأبواب التي يتم تكسيرها بالقوة من طرف القوات العمومية أثناء اقتحام بيوت عباد الله وبعد ترويعهم في كبد الليل من أجل إلقاء القبض على يافعين شاركوا في مظاهرات سلمية..
إي والله، من الآن فصاعدا لا حاجة لتتعبوا أنفسكم في التفكير في نفقات الحداد والنجار عند إصلاح أبواب بيوتكم المهشمة، واستمتعوا بنعم الله عليكم، رغم أنكم تنكرونها ولا تعترفون بها جاحدين..
هناك بعض الحقوقيين سامحهم الله يتكلمون عن الانتهاكات، بل ويطالبون بكل جرأة بضرورة محاسبة من قاموا باقتحام المنازل عنوة في كبد الليل وترويع ساكنيها من نساء وشيوخ وأطفال، معتقدين بزعمهم أن هذا لا تسمح به دولة الحق والقانون..! ومع ذلك، فإن ديمقراطيتنا الفتية، التي يسهرعليها خدام الدولة، دولة القانون طبعا، تصر على رفع التحدي ويلتزم السيد وزير الداخلية داخل قبة البرلمان بفتح تحقيق دقيق للوصول إلى من قاموا بهذه الانتهاكات..
ومع ذلك، فإن هذه الجمعيات الحقوقية “المشكوك في وطنيتها” لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب، ثم بالله عليكم، أليس من علامات الرخاء والازدهار في مجال حقوق الإنسان، أن تبادر المؤسسات القضائية والسجنية إلى التفاعل مع الرأي العام وإخباره بالمعلومات والأخبار الصحيحة بعيدا عن الإشاعات المغرضة والوشايات الكاذبة، ألم تتابعوا أنه بمجرد ما قامت “جهة مجهولة” بتسريب فيديو لناصر الزفزافي وهو بين أيادي سجانيه يتجاوب بكل تلقائية مع ما يبدو فحصاً طبياً، ونشره الموقع الإلكتروني المعروف بـ”نزاهته الأخلاقية وقربه من مصادر دقيقة”، وذلك من أجل الاحتفاء بهذا المواطن و”حاشا والله أن يكون بغرض إذلاله”، بل المقصود هو الإعلاء من شأنه و ليس المس بكرامته.. ومع ذلك ها أنتم تلاحظون كيف اشتعل الفايسبوك بتأثير من “جهات مشبوهة” ليصف هذا الفعل بأنه “معاملة قاسية ومهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية”، و لولا حكمة المسؤولين جزاهم الله عنا خيرا، الذين سارعوا إلى التواصل مع الرأي العام بطريقة حرفية وأخبرونا بأن النيابة العامة ستفتح تحقيقا دقيقا في ظروف وملابسات هذا النشر وخلفياته، لكنا أمام المجهول..!
ألم أقل لكم، بأن ديمقراطيتنا المزدهرة، تحقق إنجازات على درب صون الكرامة الإنسانية، ولكنكم قوم تنكرون الحقيقة..
ثم أضيفكم دليلا آخر أيها “الحقوقيون المتنطعون”، على تفرد واحة ديمقراطيتنا، ووضوح مشهدنا السياسي وسريالية التضامن الحكومي، هل سمعتم في أي دولة في العالم أنه بمجرد ما تقع بعض مظاهر “سوء الفهم” حتى تسارع جهات حكومية إلى تنظيم لقاءات تواصلية مع الجمعيات الحقوقية قصد “تبديد سوء الفهم”، بينما تسارع جهات أخرى إلى تقديم وجبة دسمة من العنف لذات الحقوقيين أمام البرلمان!! ومع ذلك، وإمعانا في توضيح الصورة أكثر على هذا “الانسجام السعيد والتعايش الخلاق”، فليس غريبا أن تقرأ قصاصة مثيرة بأن مسؤولا حكوميا برتبة وزير دولة يتصل بواسطة رسالة sms بشخصية حقوقية ليبلغه اعتذاره الشديد وليعده بفتح تحقيق دقيق حتى يعود له حقه، بعدما تناول حصته المستحقة من وجبة العنف أمام البرلمان: “صفعة خفيفة على الخد”، وليست انتهاكا جسيما يستوجب اعتذار الدولة، على أية حال..
دامت ديمقراطيتنا المجيدة الزاخرة بالتحقيقات الدقيقة والاعتذارات الجميلة، وطبعا في إطار من الانسجام والتضامن السعيدين..