عندما يرفع الكرد علم الصهاينة

أنا أحد الكتاب السياسيين العرب الذين دافعوا عن حقوق الأكراد على مدى سنوات طويلة على الرغم من أنني كنت على دراية ومعرفة بعلاقة مصطفى البرزاني مع الكيان الصهيوني.

استمر الكيان الصهيوني بالنظر إلى المشكلة الكردية من زاويتين وهما: زاوية إشغال دول المنطقة بصراعات مسلحة مع الأكراد وبالأخص العراق، وزاوية إقامة إسرائيل الرديفة في شمال العراق لتكون عونا لها على الدول العربية إن لزم الأمر.

ولهذا قدم الصهاينة العون العسكري المطلوب للكرد أثناء ثورتهم التي بدأت عام 1958 في العراق، وقدمت لهم الخبرات القتالية والمساعدات المالية. ولم يتأخر قادة الكرد عن تلقي المساعدات وطلب المزيد، وإقامة برنامج ثقافي تربوي يقرّب الكرد من الصهاينة ويدفعهم إلى التطبيع معها.

لم نكن يوما غائبين عن المسرح العراقي، ولا عن عبث السياسيين الكرد بالساحة العراقية. نحن لسنا في غياب عن التاريخ، ولكن اعتدنا على الظن بأن الأكراد قد أصبحوا أكثر وعيا مع الزمن وهم يدركون الآن تعقيدات المنطقة العربية الإسلامية، وسيفكرون مئات المرات قبل الاستجابة لعمليات التحريض الصهيونية والاستنجاد بالكيان الصهيوني.

كنا نرى أن الأكراد سيقررون يوما العيش في المنطقة كجزء طبيعي منها ويحيون حلو الحياة ومرها مع العرب والإيرانيين والأتراك. لكن لا يبدو أن ظنوننا كانت صائبة. واضح أن الأكراد لا ينظرون إلى أنفسهم كجزء من المنطقة وهم على استعداد للتعاون مع أعداء المنطقة من أجل مصالحهم الآنية والمؤقتة.

هم ما زالوا يتعاونون مع الكيان الصهيوني، ومع الولايات المتحدة الأمريكية بخاصة في سوريا. إنهم لا ينظرون إلى أنفسهم بعيون المنطقة، وإنما بعيون أعداء المنطقة وعلى رأسهم الصهاينة والأمريكان.

نقلت وسائل الإعلام صورا حية لتظاهرات كردية في أربيل ومدن كردية عراقية أخرى وعلم الصهاينة يرفعه متظاهرون كرد وهم في غاية البهجة والسرور. وكان رفعه لافتاً من حيث الوقاحة في استعراضه أمام وسائل الإعلام، وبات مفهوماً أن الذين رفعوا العلم كانوا يقصدون استفزاز العرب والإيرانيين وتحديهم وجرّهم إلى مواجهات مستقبلية. العلم الصهيوني يتحدى العراق وإيران وبعض الشعب الفلسطيني الذين ما زالوا يعانون الأمرين من العدوان الصهيوني المتمثل باغتصاب الوطن وتشريد الشعب، ومن رفعوه يدعون كل العرب الغيارى على الوطن الفلسطيني المقدس وعلى الوطن العربي إلى النقمة على الأكراد واتخاذ كل الإجراءات القاسية ضدهم.

أما من يدعي أن رفع العلم الصهيوني كان بمثابة مبادرات شخصية وبدون أي تكليف حزبي أو رسمي إنما يستغبي الناس. عمل من هذا القبيل لم يكن ليتم لولا موافقة مسبقة من قبل جهات رسمية وأخرى حزبية لأنه ينطوي على تداعيات كثيرة تلحق الأضرار بالأكراد أكثر مما تلحق أضراراً بالآخرين.

صحيح أن علاقات كردية صهيونية ستكون مؤذية للمنطقة، لكن الثمن الذي سيدفعه الأكراد أكبر بكثير من الثمن الذي ستدفعه العراق. فمن فعل ذلك أو حرض عليه إنما يتسم بالغباء وبالضغينة والحقد على مختلف قوميات المنطقة. أمن الأكراد هو من أمن العرب والإيرانيين والأتراك وليس من أمن الصهاينة.

علاقة الأكراد بالكيان الصهيوني تعرض أمن العراق للخطر لأن في ذلك ما يتيح للصهاينة إقامة قواعد عسكرية ومطارات حربية لعرقلة أعمال الجيش العراقي عندما تتطلب المصالح القومية مساعدة هذا الجيش الذي يشكل مصدر افتخار واعتزاز للعرب. ستكون هناك في كردستان إسرائيل الصغرى التي تتبع الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية. وفي ذات الوقت، يعرض أمن إيران القومي للخطر بخاصة في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل في البحث عن سبل وأساليب للنيل من إيران وقدراتها العسكرية والعلمية والتقنية.

الكيان الصهيوني يعمل جاهداً على إيجاد منافذ لطائرات حربية قريبة من إيران. الكيان الصهيوني يعمل جاهداً على توظيف مطارات عربية خليجية لصالح قواته الجوية، ويعمل على بناء مطارات عسكرية في كردستان لكي يتمكن من خوض غارات جوية خاطفة وناجحة ضد المنشآت الإيرانية. أي أن الأكراد يعملون على وضع المنطقة كلها في خطر حروب مدمرة لن توفر على الكرد المعاناة والأحزان.

والأكراد يهددون الأمن القومي العربي والإيراني بتعاونهم مع الولايات المتحدة. أمريكا تسن أسلحتها ضد إيران، وهي تطمع دائماً بزيادة قواعدها العسكرية في المنطقة لتسهيل أي عمل حربي قد تقوم به ضد إيران. وإذا كانت كردستان ستحتضن الكيان الصهيوني، فإنها بالتأكيد ستحتضن أمريكا أيضا. ونحن نرى الآن تعاون الكرد مع أمريكا في سوريا، وكيف قامت قواعد عسكرية أمريكية في المناطق الكردية في الشمال السوري. ونحن على دراية بأن الوجود الأمريكي في الشمال السوري يهدد الأمن السوري والعراقي بخطر شديد. وسبق للأمريكيين أن قصفوا الجيش السوري مرات وقتلوا عدداً كبيراً من الجنود السوريين.

إن استمرار تعاون الأكراد مع الأمريكيين في سوريا يضعهم في زاوية العداء التي لن تكون نتائجها طيبة لا للعرب ولا للأكراد. وفي النهاية لا بد من تذكير الأكراد أن أمريكا وحلفاءها هم الذين صنعوا المشكلة الكردية وذلك للإبقاء على مشكلة تشغل دول المنطقة وتستنزف طاقاتها. لقد استعمل الاستعماريون الأكراد عند تقسيم المنطقة ليبقوا شوكة في حلوق الجميع.

والخاسر الأكبر في النهاية هم الأكراد. الكيان الصهيوني كان المستفيد الأكبر من التقسيم الاستعماري للمنطقة، والصهاينة هم الذين دعموا ذلك التقسيم الذي لم يعط الأكراد نصيبا وذلك من أجل الفوز بفلسطين. والآن يتناسى الأكراد تآمر الصهاينة عليهم ليستمروا في تلويثهم لكل المنطقة.

ولهذا السبب، لم أعد أرى جدوى من تأييد حق تقرير المصير للأكراد. هم لا يستحقون التأييد. كان الأمل أن يفهموا أن شعوب المنطقة تتطلع إلى الحياة معا والتعاون والتنسيق من أجل مصلحة المنطقة ككل، لا من أجل إشعال الكراهية والبغضاء والأحقاد.

الأكراد لا يريدون التعايش مع الآخرين أو الحياة معهم، وعليهم أن يتحملوا المسؤولية. فهل لدى حكومة العراق ما يبرر عملها ضد كردستان العراق؟ نعم لديها مبررها تجنباً للفتن والحروب وسفك الدماء. ولإيران حق واضح في الدفاع عن أمنها القومي ومنع تسلل الصهاينة إلى الشمال الغربي من أراضيها. ولسوريا كل الحق في المحافظة على وحدة أراضيها وسيادتها والحفاظ على أمن شعبها. ومن يقيم علاقات مع الصهاينة سواء كان عربياً أو كردياً أو تركياً لا يستحق التعاطف والمساندة وعليه أن يتحمل التبعات التي قد تكون قاصمة مهلكة.