كيف تنمو الروح وتتسع آفاقها حتى تصل إلى التكـامل الأخلاقي؟

إن قيمة المُجتمع في أخلاقِه، فإن لم يحتسِب كلُّ فرد منه أنه جُزءٌ من هذا المُجتمع فإنه سيرَى أنه هو المُجتمعُ وحدَه، وهذه هي الأَثرة المُوجِعة , إنه لن ينجحَ مُجتمعٌ كلُّ واحدٍ فيه لا يعرِفُ إلا كلمة “أنا”. فالمُجتمعُ أُسرةٌ يشتركُ جميعُ أفرادها في رِعايةِ كلِّ ما يُصلِحُها، واتقاء كلِّ ما يُفسِدُها، بالنظر إلى الصالِح العام فيُجلَب، وإلى الفساد العام فيُتقى، ضارِبين بكلمة “أنا” عُرضَ الحائِط؛ لأنه لن يَحيا مُجتمع كلُّ فرد من أفرادِه لا يرَى فيه إلا نفسَه , بل لا تقومُ قائمة المُجتمعات دون أن يتحقَّق فيها الشعور بالآخرين، واستِحضار حقوقهم التي أوجبَها الله على كل فرد ليُحسِنَ رِعايَتها بما يُرضِي الله – جل وعلا – لا بما يُرضِي نفسَه دونَهم , فعن رسول الله (صلى الله عليهِ والهِ وسلم) “الخلق عيال الله تعالى ، فأحبّ الخلق إلى الله مَن نفع عيال الله ، أو أدخل على أهل بيتٍ سروراً” فالعطاء أو مساعدة الآخرين هو سلوك متميز وشعور بالانتماء الإنساني، سواء كان موجها لشخص أو مجموعة من الناس بدون قيد أو شرط، ويخلو من انتظار أي ردود فعل، فأي عمل يقوم به الشخص لمساعدة الآخرين نابع من القلب، ويتجاوز حدود الواجب والالتزام الاجتماعي؛ يشعر من خلاله بالرضا الذاتي و قد خلصت دراسة علمية إلى أن البشر يكونون أكثر سعادة عندما يساعدون غيرهم منها عندما يساعدون أنفسهم، فهو نابع من تكاملهم الإخلاقي بعكس من يقدم نفسهُ على الأخرين إضافة الى ذلك هوة سعادة الدارين الدنيا والأخرة وهذا ما أوضحهُ رجل الدين المحقق العراقي السيد الصرخي الحسني في بحثهِ الاخلاقي (السير في طريق التكامل ) قائلاً
((من الـواضح أن الإنسان الذي يعمل في سبيل الله تعالى ويؤثر ويضحّي بمصالحه الشخصية في سبيل راحة الآخرين والمصالـح الاجتماعية ، فبقدر ذلك تنمو روحه وتتسع آفاقه حتى يصل إلى التكـامل الأخلاقي؛ وذلك لأنه من الأسباب الرئيسية في المشاكــل الأخلاقية هو التضارب والتزاحم بين المصالح الشخصية والمصالـح الاجتماعية ، وأنّ حبّ الذات هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يقدّم مصالحه الشخصية على المصالح الأخرى حتى لو كان ذلك ظلمًا وعدوانًا على الآخرين . وللحصول على السعادتين: الـدنيوية والأخروية يجب على الإنسان أن يجعل إيثاره وتضحيته للناس والمجتمع في سبيل الله تعالى ، أي: عليه أن يقدّم المصالح الإلهية على المصالح الدنيوية الزائلة .))
وبذلك نستنتج إن من يسعى الى الدار الأخرة ينبغي له أن يسعى الى مساعدة الأخرين ولما لهذا العمل من أثر فعن الامام الصادق (عليهِ السلام ) “ما قضى مسلمٌ لمسلمٍ حاجةً إلاّ ناداه الله تبارك وتعالى : عليّ ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة”.