لماذا تتنازل إسرائيل؟!

سميح المعايطة – كاتب أردني

ربما ننسى أو ينسى بَعضُنَا أن كيان الاحتلال الصهيوني يعمل بذكاء، ووفق تخطيط وتنظيم، ويستفيد من كل إمكاناته وإمكانات حلفائه الأقوياء في العالم.

ويغيب عن بالنا أحيانا ما تردده كل القوى السياسية والشعبية منذ عقود بأن الحركة الصهيونية عملت منذ نهاية القرن التاسع عشر على وضع مخطط احتلال فلسطين، وإقامة كيان الاحتلال، وأنها استطاعت من خلال بريطانيا، ومن بعدها أميركا والاتحاد السوفييتي، أن تحول الفكرة إلى دولة اعترف بها العالم، وأعطاها حق إقامة كيان على أرض احتلها .

وخلال المرحلة الماضية عادت قضية المسجد الأقصى إلى الواجهة بعد العملية العسكرية التي قتل خلالها اثنان من الجنود الصهاينة، وكان ما نعرفه جميعا من إغلاق للمسجد الأقصى، ثم فتحه جزئيا بعد وضع بوابات إلكترونية لمنع إدخال أسلحة من قبل الفلسطينيين.

وكعادة الكيان الصهيوني قدم نفسة للعالم مظلوما و”معرضا للعدوان” من قبل الفلسطينيين، ويقوم بما قام به منعا لما يسميه الإرهاب، وحتى قصة البوابات الإلكترونية فهي جزء من آليات الكيان الصهيوني في خلق أزمات تغطي على القضية الأهم، بحيث يصبح مطلب العرب والعالم هو البوابات الإلكترونية، وإذا كانت هناك استجابة من الاحتلال فإنه يظهر الطرف المتسامح الذي يسمح للمصلين بدخول المسجد دون المرور على البوابات .

لكن قضية المسجد الأقصى يجب أن تعيدنا اليوم إلى السؤال الأهم: لماذا تتنازل اسرائيل؟!

والتنازل بشكل عام أمر لا تقوم به الدول إلا استجابة إما لضغط أو مصلحة، فما الذي يجبر كيان الاحتلال على التنازل في زمن عربي وفلسطيني لا يقدم للاحتلال مصلحة، ولا يحمل له ما يجبره من ضغوط .

إسرائيل اليوم لا تجد مقاومة إلا من أفراد، لكن طرفي السلطة أحدهما مؤمن بعملية السلام ولا يريد خيارا غير العمل السياسي، وآخر يعلن تبنيه المقاومة في غزة، لكن حدوده المباشرة مع إسرائيل هادئة لا تطلق منها طلقة، وفِي المحصلة فإن إسرائيل مرتاحة، لا يقلقها الحديث النظري عن المقاومة، وكأنه حديث عشاق .

وعربيا فالجميع يعرف ما يجري، ويرى واقعنا المتردي، الذي زاد ترديه ما يسمى الربيع العربي، الذي فكك دولا وأشعل فيها النار والفتن وتركها تعاني التطرف والإرهاب والتقسيم وتردي الأوضاع المعيشية، وأيضا هنالك دول تتعرض للاستنزاف من خلال الإرهاب مثل مصر، أو من خلال الطائفية.

وحتى الدول العربية التي تحاول فعل شيء لوقف الانتهاكات الصهيونية تدرك أن أسلحتها علاقات دولية أو خطاب عقلاني تريد الحفاظ عليه، لكن هذه الدول تعلم أن ظهرها مكشوف، وأن المصلحة أو الضغط سلاحان غير متوفرين لإجبار الاحتلال على التنازل .

ما نقوله ليس مبررا حتى نقبل بما يفعله الاحتلال، لكن علينا إدراك أن كيانا محتلا لن يترك فرصة لاستغلال كل الهدايا المجانية التي تقدمها الأمة، وفِي مقدمتها الانقسام الفلسطيني الذي يشغل الطرفين عن مواجهة الاحتلال.