معوقات النهضة في العالمين العربي والإسلامي

في أيّ سياقٍ يأتي الحديث عن النهضة؟

يأتي في سياق تاريخي طويل، بدأ منذ أن انطلق الإسلام عام 622م، ثم تحول إلى دولةٍ حديثةٍ لها نظام قَويم، ومجتمع واع، وقيادة حكيمة، وجهاز شُوري رفيع، وجهاز دفاعي واع صنديد، ومن خلال هذه الدولة استطاع المسلمون أن يؤسسوا لنظامٍ عالميٍ جديد، يحمل في طياته العديد من المفاهيم الرفيعة، والنماذج الفريدة، أبرزها: مفهوم الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وتعايش الأديان، والسلم والحرب، فأصبحت حضارةً عظيمةً، يشهد لها القاصي والداني.

وفي عام 1096م بدأت الحملات الصليبية تتوالى على العالم الإسلامي، بدوافع عقدية، وتخريبية، وسرقة للخيرات الطبيعة، والكفاءات العمليّة، فكانت هذه الحملات تستهدف قلب الدولة الإسلامية وأطرافها لمدة ثلاثة قرون متتالية حتى سقطت الخلافة الإسلامية عام 1924م، مما أدى إلى هزةٍ كبيرةٍ خلّفت في أوساطها ثلاث عورات رئيسة وهي كما يلي:

العورة الأولى: انكشاف حجم التخلف الذي وصل إليه العالم الإسلامي.

العورة الثانية: وقوع العالم الإسلامي تحت سيطرة الاحتلال الغربي.

العورة الثالثة: تمزيق وحدة الصف الإسلامي إلى دويلات صغيرة(1).

فانتفضَ لذلك علماءٌ ورُوادٌ، وحركاتٌ إسلامية وغير إسلامية من أجل النهضة، والحرية، والوحدة، غير أنّ حالة الضعف التي وصلت لها الأمة الإسلامية والعربية ما زالت تحتاج إلى فكرٍ عميق، وعظيم جهدٍ من شأنه أن يتغلب على أساسِ المشكلات المُعاصرة والتي من أبرزها ما يلي:

أولاً: وجود الاحتلال الصهيوني في فلسطين “قلب الأمة العربية والإسلامية”

إنّ من أبرز المشكلات التي تحول دون وحدة الأمة العربية والإسلامية ذاك الكيان المسخ الذي يعمل ليل نهار من أجل إضعاف العرب والمسلمين في شتى مجالات الحياة، وذلك من أجل الحفاظ على وجوده الباطل، وعلى مصالح الدول الأوربية وأطماعها في البلاد العربية، وهذا ما نَصّتْ عليه وثيقة كامبل السرية عام 1907م، فقد تَوصلَ المجتمعون إلى نتيجة مفادها أنّ البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار لأنه الجسر الذي يَصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والإفريقية، ومُلتقى طرق العالم، وأيضاً هو مهد الأديان والحضارات، والإشكالية في هذا الشريان أنّه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجهٍ خاص شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والدين واللسان، وعليه فقد قرروا إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، ومحاربة أي توجه وحدوي فيها، وذلك من خلال عوامل عدة أبرزها زرع جسم مشبوه يقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، فكان الكيان الصهيوني الذي مُنح وعد بلفور عام 1917م هو ذاك الجسم المشبوه(2).

ثانياً: انجرار الكثير من المثقفين وأصحاب الرأي والتأثير نحو الثقافة الغربية ومحاولة إسقاطها كتجربة رائدة على واقع الأمة الإسلامية والعربية مُتسلحين بمخرجات النهضة الغربية التي كان من أهمها الثورة الصناعية الكبيرة، مُتجاهلين بذلك خصوصية هذه الأمة في عاداتها وتقاليدها وديانتها، مما أدى إلى خلق العديد من الأزمات الثقافية والتربوية والاجتماعية(3).

ثالثاً: عزوف الكثير من أصحاب الدراسات المتقدمة في الفكر والاجتماع والسياسة والاقتصاد عن التحديات الواقعية المعاصرة، وعدم مواكبة التطور الفكري في الدراسة والتحليل، الأمر الذي أدى إلى انحسار الفكر الإسلامي في فقه العبادات الثابتة، والمُعاملات القديمة، مما انعكس سلباً على الخطاب الإسلامي لعقودٍ عدة.

رابعاً: تقديس الفهوم

أي جعل فهم المجتهدين للمصادر الإسلامية الرئيسة “القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة” مَنْزِلَة المصدر نفسه، بمعنى أنّ فهمهم للخطاب القرآني أو النبوي لا يقبل النقاش العلمي، ولا النقد الموضوعي، وخصوصاً فهم القدماء منهم؛ وهذا سبّبَ ضيقاً في الصدر، وجموداً في العقل، وانحباساً في اللسان، وسوءاً في السلوك، وانعداماً في الرؤية، وتَفَتُتاً في الطاقات، وتفرداً في القرار، فتفاقمت المشكلات الفكرية والسلوكية(4).

خامساً: التكديس المعرفي

وهو عكس البناء التكاملي الجميل، قال الله تعالى: [إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ] {الصَّف:4}.

وهذه المشكلة طبيعية في ظل ما ذكرناه من مشكلات سابقة، فالأبحاث العلميّة لا تُحاكي مشكلات الواقع المعاش، وإنْ حاكت لا تخرج إلى حيّز التنفيذ والتعديل، قال الله تعالى: [مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ] {الجمعة:5}.

سادساً: الاستبداد بشموله

ونقصد بالشمول أنّه لا يقتصر على الحزب الحاكم كما شدّد عليه بعض المفكرين الذين حاولوا تشخيص داء الأمة العربية والإسلامية(5) بل يشمل جميع أركان الحياة، فهو موجود في الأسرة والمدرسة والجامعة والمستشفى والوزارة وجميع مرافق الحياة، مما جعل الاستبداد مألوفاً في حياة الإنسان المسلم.

سابعاً: ديكتاتورية بعض التنظيمات الإسلامية

وهذا ما زاد الطين بِلَّة، لأنَّ التنظيمات الإسلامية تأسست من أجل القضاء على الاستبداد المتمثل في الحزب الحاكم وأعوانه، فرفعت شعار الحب والسلام، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المؤسساتية، واستشهدت بمنهج القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أنّها لم تنجح في تطبيقه بين أفرادها – فقد كممت الأفواه، وحبست الطاقات، وغيّبت العدالة الاجتماعية لحجج واهيّة، ونمّت العصبية المقيتة داخل أروقتها – فكيف ستُقيمه بين الآخرين؟!

ثامناً: غياب القدوة الحسنة

إنّ المنهج القويم لا يحتاج إلى خُطبٍ رنانة ومواعظ فنانة بقدر ما يحتاج إلى تطبيقٍ سليم، وهذا الفارق الكبير الذي قام به النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا] {الأحزاب:21}.

إنّ أَلفَيّ خطبة من رب أسرةٍ أو معلّم أو مفكرٍ لا تُساوي تطبيقاً واحداً في المسار الصحيح.

تاسعاً: فراغ علمي كبير أدى إلى تجرؤ محدودي الفهم والمندسِّين لقلب المفاهيم الصحيحة.

وهذا سببه إلى أمورٍ عدة أبرزها: التحاق أكثر الطلاب الذين حصلوا على معدلات متدنية في سنوات الدراسة الأولى إلى الأقسام الإنسانية، بينما يلتحق أصحاب المعدلات العالية “النخب” إلى الأقسام العلميّة نظراً للعائد المادي الكبير، والمنظور الاجتماعي الرفيع، مع العلم أنّ تخصصات الدراسات الإنسانية هي التي تُخرّج أصحاب المواقع الحساسة في الدولة، التي ترسم السياسات وتحدد الاستراتيجيات، وتفجر الطاقات، وتبني التحالفات، وتغير المفاهيم والعادات.

عاشراً: التغيرات السريعة والتعقيدات الكثيرة التي تحصل في عالمنا المعاصر

الأمر الذي دفع الكثير من أصحاب الرأي والتأثير في الشعوب والجماعات العربية والإسلامية للتقوقع في دائرة الحفاظ على التُراث القديم بصحيحه وسقيمه، والخوف من التقدم للأمام، مما حرمنا خطوات كبيرة نحو النهضة(6)، رغم أنّ منهجية التوازن من أهم المنهجيات الراقية التي أصلّ لها القرآن الكريم، قال الله تعالى: [… وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا] {الإسراء:110}.

هذه هي أبرز المشكلات الرئيسة التي يُعاني منها الفكر والسلوك العربي والإسلامي؛ لذلك وجب علينا أن نُعيد النظر في مسيرتنا النهضوية، وهذا ما سَنحاول أن نقف عليه من خلال الشرح المفصل لما ذكرناه من المعوقات، ثم وضع الحلول الممكنة للتغلب عليها مع مراعاة الأولوية في ذلك.