جدل سياسي ونقاش دستوري بسبب دعوات لحكومة وحدة وطنية وإلغاء الانتخابات

ك.ش

.

سجال ونقاش حاد يشهده المشهد السياسي والحزبي المغربي هذه الأيام، بين تيارين  أحدهما يطالب بضرورة تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات الوطنية، تقود مرحلة ما بعد جائحة فيروس كورونا، وما ستخلفه من تبعات اقتصادية واجتماعية، وبين  فريق آخر يرى في هذه الدعوات التفاف على الشرعية الانتخابية، وتعطيل للممارسة الديموقراطية، وتبخيس للمؤسسات الانتخابية .

وانطلق هذا النقاش بين الداعين لحكومة وحدة وطنية، والرافضين للفكرة،  حين خرج الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر، الذي دعا في تصريحات صحفية نشرته الجريدة الرمية لحزبه ، فبل أسابيع ، رئيس  الحكومة  سعد الدين العثماني، الى تشكيل حكومة وحدة وطنية لمواجهة تحديات فيروس كورونا تشارك فيها جميع الأحزاب المغربية.

ووجه لشكر كلامه للعثماني،  قائلا :” “ألن نحتاج، إذا ما طالت حالة الطوارئ الصحية التي يعرفها المغرب بسبب وباء كورونا، إلى حكومة وحدة وطنية، على اعتبار أن مثل هذه التساؤلات يجب أن نطرحها ونستحضرها، دون أن يكون لطرحها ادعاء أن هذا ما يجب أن يكون ؟ ”.

خرجة لشكر لقت صدى عند مجموعة من  الصحافيين والمحللين السياسيين الذين تبنوا فكرته، حيث خرجت مجموعة من المواقع والصحف  بمواد إخبارية ومقالات تحليلية، تصب كلها في اتجاه ضرورة  تشكيل حكومة وحدة وطنية، لقيادة مرحلة ما بعد حالة الطوارئ الصحية التي يعيشها المغرب .

أحمد الشرعي صاحبة مجموعة إعلامية تضم إذاعة وطنية وجرائد ورقية ومواقع إلكترونية، والذي يوصف بأنه مقرب من دوائر القرار، كتب مقالا في أسبوعية “لوبسيرفاتور دي ماروك ودافريك”،  يتسائل فيه عن ما إذا كان المغرب لا يزال في حاجة لحكومة سعد الدين العثماني، وما إذا كانت هذه الحكومة ورئيسها قادران على الإقلاع بالاقتصاد الوطني بعد جائحة فيروس كورونا .

وأضاف الشرعي في افتتاحيته، أنه التركيبة الحكومية الحالية يستحيل أن تقوم بإنقاذ المغرب وتقوم بإقلاع اقتصادي بعد جائحة فيروس كورنا التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الوطني ، وأنا الحاجة أصبحت ملحة لفريق حكومي قوي (كومندو)، من أجل إنقاذ البلاد واقتصادها .

واعتبر الشرعي الذي تقوم مجموعته الإعلامية بمختلف منابرها وصحافييها بحملة ترويجية لمزايا وفوائد حكومة وحدة وطنية، (اعتبر) أن غير قادرة على قيادة البلاد وانقاذ الاقتصاد الوطني، وليس لها أي خطط لذلك سواء على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد .

الحملة الترويجية لحكومة الكفاءات التي تقوم بها المجموعة الإعلامية للشرعي، استمرت بمقالة تحليلية للكاتب الصحفي يونس الدافقير ، تحت عنوان ” حكومة “التقنقراط” ممكنة دستوريا” تحدث فيها عن إمكانية تشكيل حكومة “التقنقراط”، دون أن يشكل الأمر أي خرق للدستور على حد تعبيره ..

وفي مقابل هذه الدعوات المطالبة بوضع حد لمسار الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة العدالة والتنمية، يرى البعض هذه الدعوات أنها التفاف على العملية الانتخابية والمسار الديموقراطي  الذي تبناه المغرب منذ مدة ، وتعزز  بدستور 2011. وعلى رأس هؤلاء رئيس الحكومة سعد الدين العثماني الذي اتهم في ندوة عن بعد نظمتها شبيبة حزبه بجهة فاس مكناس، المطالبين بإقالة حكومته بتبخيس  للعملية السياسية.

وأضاف العثماني موضحا موقفه من هذه الدعوات “لا معنى لحكومة إنقاذ وطنية، لأنه يتم اللجوء إليها عندما تكون هناك أزمة سياسية في البلاد ونحن لسنا في أزمة سياسية ولم يقل بهذا أحد، وجميع دول العالم التي تواجه كورونا لم تلجا لهذا الأمر ولا مبرر له بتاتا، وواجهوا الجائحة بحكوماتهم وبرلماناتهم وينتصرون عليها إما قليلا أو كثيرا ونحن نواجهها بهذه الأدوات”.

ردا على الأحاديث التي  أشارت إلى إمكانية اللجوء لحكومة “التقنقراط” دون خرق الدستور تابع العثماني قائلا “بعض الناس يريدون إفساد العملية السياسية وهناك من نادى بتعديل الفصل 47 ونمط الاقتراع ومن طالب بحكومة وحدة وطنية وحكومة تقنوقراط، وهذا دليل على انهم عجزوا في مواجهة حزب العدالة والتنمية بالطرق الديمقراطية وأرادوا الالتفاف حول المسار الديمقراطي بطرق أخرى”.

ويرى العثماني أن ”لا معنى لهذه الدعوات والجميع ينبغي أن يركز على مواجهة الجائحة والتخفيف من تأثيراتها صحيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإعلاميا”.

البرلماني والقيادي في حزب الاستقلال عمر العباسي بدوره نشر، تدوينة على حسابه الشخصي على فيسبوك، تحت عنوان “مالكم كيف تحكمون !الديموقراطية و الكرونوقراطية”.

وكتب  القيادي الاستقلالي الذي ينموقع حزبه في المعارضة، قائلا:” أتابع هذه الايام النقاش العمومي الدائر حول الافاق السياسية لمرحلة مابعد الجائحة ، وإن كنت لم آرى جديدا في دعوات البعض ، الذين عرف عدائهم لكل مايرتبط بالفكرة الحزبية منذ عقود وهم بذلك لا يعيدون الا انتاج اطروحة سادت الحياة السياسية دهرا من الزمن ، قبل ان يقرر المغفور له الحسن الثاني وأدها بعد دعوته احزاب الحركة الوطنية للمشاركة في الحكم عبر حكومة التناوب التوافقي مطلع تسعينات القرن الماضي ، إلا أني ذهلت لتبنيها من طرف بعض الاخوة الذين ما انفكوا  يدافعون عن الديمقراطية و سمو الدستور و حرية الرأي و التعبير وغيرها من القيم الشديدة الارتباط بالحياة الديمقراطية.

 وأضاف المتحدث ذاته منتقدا الدعوات المطالبة بإيقاف العملية الانتخابية والسياسية في المغرب، قائلا :”على كل حال ذكرني هذا النقاش ، بذلك الذي شهدته البلاد اثناء ” البلوكاج” حيث انبرت بعض التحليلات الى الدعوة للتحلل من الفصل 47 من الدستور، اليوم ، ينادي البعض بالتحلل من الدستور برمته، اذ ان المس بأحد الثوابت الدستورية ” الاختيار الديمقراطي” ليس الا دوسا على الدستور” .

وتابع القيادي الاستقلالي قوله :”الحمد لله ان وهب الله لهذه البلاد ملك هو احرص الناس على الديموقراطية وعلى علوية الدستور ، وهو الامر الذي ترسخ في كل المحطات الكبرى ذات الصلة . أما زعماء أطروحة شيطنة الاحزاب ، فإننا ندعو لهم بالهداية وحسن الرشاد، و قليلا من الموضوعية ، ونقول لهم صحيح ان الحياة الحزبية فيها أعطاب ولكنها ليس مبررا للحجر عليها وعلى الدستور “.

وختم العباسي تدوينته بالتأكيد على ضرورة احترام الدستور وحماية الخيار الديموقراطي، قائلا : “لم تصمد” التقليدانية الدستورية” في بلادنا ، و لا أخال هذه ” التقليدانية السياسية” التي ترتدي جلباب ” النجاعة ” سوف تصمد امام قوة النص الدستوري ، وقوة الارادة الملكية و الارادة الشعبية الحامية له”.

الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، صاحب أكبر كثلة برلمانية داخل مجلس النواب قال في تصريحات صحفية ردا على دعوات تشكيل حكومة وحدة وطنية، أن هذه الدعوات تستهدف في المقام الأول رئيس الحكومة سعد الدين العثماني.

وقال عبد اللطيف وهبي، أمين عام الأصالة والمعاصرة، إن الداعين إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، يهدفون إلى قلب حكومة سعد الدين العثماني، وإقالة رئيسها، مشددا على ضرورة حماية المسار الديمقراطي، إلى غاية إجراء الانتخابات في 2021.

وأوضح وهبي قائلا: “ماذا نريد من حكومة وحدة وطنية؟ هل نريد تغيير رئيس الحكومة؟ لنقلها صراحة، أم حكومة وطنية لمواجهة الأزمة؟ وفي هذه الحالة لا نرى حاليا معنى لذلك”، في إشارة غير مباشرة إلى دعوة إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، الذي اقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون بديلا للحكومة الحالية.

واستدرك كبير “الباميين” لتقديم المزيد من التوضيحات بخصوص هذه النقطة، أنه إذا تأخرت الانتخابات في 2021، فإن الحكومة الحالية ستفتقد شرعيتها الانتخابية، وبالتالي يمكن لحظتها التفكير في تشكيل حكومة وحدة وطنية.

هذا السجال والنقاش السياسي حول ما مدى إمكانية اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية كبديل عن حكومة سعد الدين العثماني المنتخبة، يراه بعض المحللين هو استهداف مباشر لحزب العدالة والتنمية، وكذلك تمهيد لغلق قوس ما بعد  سنة 2011 والربيع العربي.

Almassae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *