ذكرى سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا

صبرين ميري

عندما قال طارق بن زياد مخاطبًا جنوده، مقولته الشهيرة “العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”، كانت تلك مقدمة لدولة أسسها المسلمون في قلب أوروبا، وبقوا فيها لثمانية قرون، وأسموها “الأندلس”.

ووافق أمس، الأربعاء 2 يناير، ذكرى سقوط غرناطة، عاصمة الأندلس، التي دخلتها الجيوش الإسبانية بعد أن قصفت قصر الحمراء، عام 1491.

وأهل غرناطة مثلهم مثل سائر أهل الممالك الإسلامية الأخرى، كان فيهم الصالح والفاسد فصفحات التاريخ ممتلئة بنماذج للفجور أشد من ذلك، وليس في أوقات الانكسار فحسب، بل وفي عز مجد بعض البلدان الإسلامية، وأنا لا أناقش هنا قضية أخلاقية أو دينية، ولكن لأوضح أن الدول تسقط لأسباب كثيرة ومتعددة وليس فقط بسبب أخلاق أهلها أو بعدهم عن الدين، فهناك أسباب سياسية وأقتصادية وعسكرية وجغرافية تؤدي إلى إنهيار الأمم وربما كان تشكّل هذا التصور بسبب الخطاب الوعظي التاريخي.

عاشت غرناطة سنوات عديدة تعتمد على مساعدة ملوك بني مرين في المغرب ومع ضعف الدولة المرينية فقدت غرناطة أهم حليف لها في مواجهة الممالك النصرانية وكان سقوط جبل طارق بيد القشتاليين سنة 1462م ضربة عنيفة لمسلمي غرناطة، إذ حال ذلك دون وصول الإمداد من عدوة المغرب، وقل العون نتيجة ضعف الدولة المرينية التي انتهت في سنة 1464م بعد أن عاشت قرنين من الزمان تمد يد العون لغرناطة وحل محلها دولة فتية هي دولة بني وطاس لكنها لم تكن من القوة لتقوم بدور بني مرين ومن قبلهم تجاه نصرة الأندلس.

ومع اتحاد مملكتي قشتالة وأراغون بزواج إيزابيلا وفرناندو الثاني سنة 1469م زاد خطر المواجهة، فكثيرًا ما كانت النزاعات بين الممالك المسيحية في الشمال متنفسًا لمملكة غرناطة ومع فتح السلطان محمد الفاتح لمدينة القسطنطينية سنة 1453م تأججت مشاعر نصارى أوروبا تجاه المسلمين مما ادى إلى تدفق المتطوعة على الممالك النصرانية في الأندلس للقضاء على غرناطة المملكة المسلمة الوحيدة الباقية في غرب أوروبا وأعلنها البابا سيكتوس الرابع حربًا صليبية بل إنه أصدر قرارًا لإيزابيلا يمنحها فيه حق توزيع صكوك الغفران لتمويل الحرب على غرناطة. بالإضافة للقروض التي حصلت عليها من اليهود والإيطاليين والهولنديين والألمان نتيجة دعوة البابا سيكتوس الرابع والبابا انوصان الثامن من بعده فقد وفرا الدعم المادي لفرناندو وإيزابيلا للقضاء على الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الآيبيرية.

وفي نفس الوقت كان المماليك قلقين من قوة الدولة العثمانية الصاعدة فلم يستطيعوا فعل شيء لمملكة غرناطة، الدولة العثمانية نفسها لم يكن بوسعها إنقاذ مملكة غرناطة التي تبعد عنها آلاف الأميال دون المرور بأراضي الممالك الأوروبية او أراضي دولة المماليك وهذا كان شبه مستحيل.

ولكن للأسف لم يتحد المماليك والعثمانيون ولو مؤقتًا في سبيل إنقاذ غرناطة، ومع ازدياد هجمات القشتاليين فقدت غرناطة قواعدها البحرية واحدة تلو الأخرى مما افقدها الأمل في وصول أي نجدة من المغرب وشمال إفريقيا.

لا يشير العديد من المؤرخين لمعاناه أهل غرناطة جراء الحصار الذي دفعهم لأكل القطط والكلاب بعدما حرق القشتاليون حقولهم فتقطّعت بهم السبل، مما دفع حاكم غرناطة لذبح الخيول التي كان يستخدمها الجنود في القتال فلم يتبق منها سوى ثلثمائة فرس من أصل سبعة آلاف. كان حصار غرناطة اشد شراسة مما هو معروف حسب الدراسات الحديثة كما أن عدد القوات التي حاصرت غرناطة كان أضعاف عدد القوات الغرناطية.

وهكذا تختصر قصة سقوط الأندلس دون تسليط الضوء على حصار آخر ممالكه، وتروّج هذه الخاتمة المأسوية بمقولة أنتشرت على لسان عائشة الحرة عندما قالت لابنها عندما ألقى نظرة الوداع الأخيرة عند الموضع المسمى زفرة العربي الأخيرة ابك كالنساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه كالرجال.

يذكر الكاتب ليوناردو بيلينا أن الملك أبي عبد الله لم يبك عندما غادر غرناطة، ولم تقل له والدته الجملة الشهيرة (إبك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال) وما هي إلا من وحي خيال المؤرخ أنطونيو دي غيفارا أسقف قادش ومجرد أكذوبة، وذلك في صيف سنة 1526م حيث أراد تلميع صورته في أعين الإمبراطور شارل الخامس الذي كان في غرناطة لقضاء عطلة بمناسبة زواجه. وما يؤكد أن هذه القصة ليس لها أساس من الصحة أن أبا عبد الله لم يمرّ عبر الطريق القديم بين غرناطة ومتريل، بل إنه توقف مرة واحدة لمشاهدة غرناطة من بعض المرتفعات الجبلية للبدول من باب المنار وتوجه بعدها إلى أندرش عن طريق البشرات، أما من زفرة المورو ذاك الموضع الذي يعرف بزفرة العربي الأخيرة فلا تمكن رؤية الحمراء من هناك أصلًا، كما أنه من غير المعقول ان تقرع عائشة الحرّة ابنها بهذه الطريقة أمام جنده ومرافقيه في هذا الرحيل المؤلم. فضلًأ عن إشكالية أخرى حول اسم والدته، هل هو فاطمة أم عائشة. وهذا التوضيح ليس تقليلًا من حجم كارثة سقوط غرناطة الذي استحق البكاء ولكن الأقرب لسير الأحداث التاريخية أن هذه المقولة مجرد زهو من الأسبان بالانتصار.

وعودة لما حدث قبيل تسليم غرناطة، إذ اجتمع أبوعبد الله الصغير بقواده ووزرائه الذين أقنعوه بضرورة التسليم وأنه لم يعد لديهم ما يدافعون به عن المدينة، فقد ذبحت الخيول التي كان من الممكن الاعتماد عليها في الهجوم، ولن يستطيع مائتا ألف غرناطي تحمل الحصار القاتل أكثر من ذلك، ومع سقوط مالقة القريب وانتقام فرناندو بوحشية من أهلها لم يجد أبو عبد الله الصغير إلا ان يسلّم المدينة ويعمل قدر المستطاع على توفير الحياة الكريمة للغرناطيين وتأمين حياتهم وأموالهم وعبادتهم من خلال معاهدة تسليم غرناطة التي وللأسف نقضت بعد أعوام قليلة وفي هذا السياق تقول الباحثة الإسبانية مرثيدس غرثيا أرينال ان القارئ المتمعن لبنود هذه الاتفاقية يمكن أن يرى الوجه الآخر، لعله الوجه الحقيقي لأبي عبد الله الصغير الذي يظهره كمفاوض كفء وصلب في ظل ميزان قوى لغير صالحه.

وهنا اتذكر خشية الخليفة عمر بن عبد العزيز على مسلمي الأندلس حتى إنه هم بإجلاء أهلها عنها لبعدها عن بلاد المسلمين وقربها من ممالك العدو، فلا يجب أن نغفل الأسباب الجغرافية لسقوط غرناطة مع سواها من الأسباب الاقتصادية والسياسية والعسكرية فضلًا عن اتحاد النصارى وتشرذم المسلمين، فماذا سنقول اليوم إذاً عن احتلال فلسطين التي تقع فى قلب الأمة الإسلامية سوى أن الفلسطينيين باعوا أرضهم! وكيف سنروي غدًا ما يحدث اليوم في سورية؟ طوبى للأندلسيين والفلسطينيين والسوريين وكل المسلمين الذين خذلناهم مرارًا على صفحة التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *