رسائل 8 شتنبر

يوسف كمال

لا بد من قراءة رسائل 8 شتنبر قراءة هادئة متأنية على ضوء النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، أولى الرسائل وأهمها على الإطلاق هو تشابه الأحزاب التي لا تختلف إلا في أسمائها مهما بدا الفرق بينها شاسعا ثم قابلية الأحزاب المؤدلجة للتماهي مع السلطة والذوبان في حضنها بعيدا عن مبادئها وشعاراتها فلا اليسار يظل يسارا ولا اليمين يبقى يمينا عند الاقتراب من دائرة النفوذ (الاتحاد الاشتراكي والاستقلال سابقا والبيجيدي حاليا) وهذا لا يفقد الحياة السياسية معناها فقط ولكنه يؤدي في النهاية إلى كفر المواطن بالعمل السياسي بمعناه الحزبي لأنه لم يعد وسيلة للتغيير بالقدر الذي تحول إلى مطية للنخب السياسية لتحقيق  مكتسبات أو أهداف مادية ضيقة  ، إن هذا الإحساس الذي يكاد يكون متجذرا في أعماق السواد الأعظم من الكتلة الناخبة بالمغرب (سواء أولئك الذين صوتوا أو الذين قاطعوا) هو وقود الغضب الذي رأيناه في شوارع زاكورة والريف وبوعرفة وسيدي إفني حين عجز السياسيون عن ترجمة مطالب الطبقة المسحوقة ترجمة أمينة لأصحاب القرار .
ثاني رسالة نقرأها عشية 08 شتنبر هي عزوف المغاربة عن السياسة والسياسيين فمن ضمن خمسة وعشرين مليون مواطنا يحق له الإدلاء بصوته لم يتوجه إلى صناديق الاقتراع غير ثمانية ملايين مواطن أي أن الذين صوتوا أقل من الثلث وهذا يعني أن لعبة الصناديق لم تعد جذابة لدى غالبية المغاربة ولم تعد مقنعة على الإطلاق. ثلثا المغاربة وجهوا للدولة رسالة صامتة يجب أن يلتقطها العقلاء داخل مراكز القرار “لم نعد نؤمن بالأحزاب وهذه الأحزاب لا تمثلنا”
وثالث رسالة يجب أن نتوقف عندها هي هزيمة الإسلاميين المدوية وتصدر الأحرار لقد عاقب الشعب أولئك الذين تنكروا لمبادئهم وتمردوا على الطبقة التي أوصلتهم إلى مربع النفوذ وهذا يؤكد أن منسوب الوعي لدى العامة قد ارتفع عن ذي قبل وأنه لم يعد بوسع السياسي أن يغطي على زلاته بالخطابة الجوفاء والشعارات الرنانة فالناس تنتظر تغييرا حقيقيا لا وعودا معسولة حتى الخطاب الديني الذي كان يلهب مشاعر الملايين لن يعود له نفس الأثر في النفوس فقد فقد بريقه بعد تجربة البيجيدي ولعل هذه الغاية مقصودة لذاتها .
بقيت رسالة أخيرة وهي أن الخطاب السياسي ذاته قد تعرض وسيتعرض في المستقبل القريب إلى تشوهات عميقة بعد فشل التجارب المؤدلجة في تحقيق طموح المغاربة سنجد أنفسنا بعد اللحظة أمام سياسي /آلة ينتج خطابا ماديا صرفا ويؤمن بأنه يخاطب مجتمعا من الماكينات التي يتلخص دورها في  الإنتاج والاستهلاك ، لقد تأثر المغاربة بالأحزاب المكونة للحركة الوطنية في فترة الاستعمار وغداة الاستقلال ، والحق أن الأحزاب التي استثمرت في شرعيتها الوطنية على علاتها ساهمت في تأطير المغاربة أخلاقيا وسياسيا ومثلها فعلت أحزاب اليسار التي ظلت حاضرة بقوة في الأحياء الشعبية والجامعات ثم سار الإسلاميون على خطى هؤلاء وأولئك ،واليوم سيقود المجتمع والدولة حزب بلا مرجعية ،كان الخيط الرفيع الذي يحافظ على تماسك المجتمع في ظل التجارب السابقة هو الإيمان بفكرة والاستعداد للتضحية من أجل تلك الفكرة بالمال والنفس والراحة ،الأمل والإيمان طاقتان روحيتان عظيمتان ساعدتا المغاربة على المضي قدما في أحلك الظروف واليوم لا خيط ناظم يجمع قيادات الأحرار غير المصالح إن كان للأحرار قيادة .ولا شيء يجعل الناس يلتفون حولهم غير وعودهم المادية فكيف يكون حال الناس حين يقودهم من يضع كرامتهم جانبا ليعاملهم كدواب همهما علف وماء؟!
أتمنى أن تصل رسائل 8 شتنبر لمن يهمه الأمر قبل فوات الأوان

Almassae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *