صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية: الإمارات تهرب من المستنقع اليمني

أ.ر

سلطت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية في تقرير لها، السبت، الضوء على الوضع في اليمن الذي دمرته حرب تتدخل فيها العديد من الأطراف الإقليمية.

وذكرت الصحيفة، في تقريرها، أن الإعلان عن الانسحاب الجزئي للقوات الإماراتية يؤكد حالة الجمود التي يشهدها النزاع في اليمن الذي اندلع منذ عام 2014. وتعاني البلاد، التي تمثل مسرحا للاشتباكات بالوكالة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإيران، من أزمة إنسانية غير مسبوقة.

وبعد أكثر من أربع سنوات من اندلاع الحرب في اليمن، أعلنت الإمارات العربية المتحدة، مؤخرا، انسحاب قواتها جزئيا، واستعدادها للانتقال إلى منطق “السلام”. وقد مثل هذا القرار، الذي جاء على خلفية التصعيد بين طهران وواشنطن، مفاجأة، لكنه يشير إلى ركود صراع تتواجه فيه قوتان عظيمتان في المنطقة، هما المملكة العربية السعودية وإيران، بدون تحديد نهاية الحرب التي أنهكت أفقر بلد في شبه الجزيرة العربية.

وأوضحت الصحيفة أن اليمن يعيش حربا أهلية تخللتها هدنات متعددة، ووقف إطلاق نار نادرا ما جرى احترامه. ومنذ عام 2014، شهد الصراع في اليمن تغيرات عديدة ومستمرة قبل أن يثبت في وضعية محددة، بخطوط أمامية مجمدة ودولة مجزأة إلى نصفين. كان أول هجوم قوي بقيادة الحوثيين، حين كانوا يتوسعون انطلاقا من معقلهم الجبلي الشمالي قبل الاستيلاء على العاصمة صنعاء في شتنبر 2014.

لقد كان الحوثيون حينها مدعومين من طرف عدوهم السابق، الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي طُرد في عام 2012 بعد سنة من المظاهرات، والذي وضع تحت تصرفهم القوات التي ظلت موالية له. وفي الأشهر التالية، واصل المتمردون الحوثيون التقدم نحو الوسط والغرب.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في ربيع عام 2015، اقترب الحوثيون من عدن، وهي المدينة الرئيسة في الجنوب. وفي 26 آذار/ مارس من العام ذاته، ردت المملكة العربية السعودية من خلال ترأس تحالف “عاصفة الحزم”، الذي يضم عشرات الدول، بما في ذلك خمس دول خليجية. وفي اليوم نفسه، فر الرئيس عبد ربه منصور هادي من عدن ولجأ إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن طُرد بالفعل من صنعاء.

إثر ذلك، انطلق هجوم التحالف، مع قصف الطائرات السعودية وتقدم الجنود الإماراتيين برا. في شهر تموز/ يوليو، جرى إعلان عن “تحرير” محافظة عدن. وبعد شهر ونصف، تم الاستيلاء على خمس محافظات جنوبية أخرى. لكن وبشكل بطيء، بدأ الصراع يشهد وضعية جمود. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2017، قتل المتمردون الحوثيون الرئيس السابق صالح، حليفهم الأساسي. ثم استمروا في الهجوم المضاد، دون التقدم الفعلي.

نوهت الصحيفة إلى أن إعلان الإمارات هذا الأسبوع عن تخفيض عدد قواتها المتواجدة في اليمن لفت الانتباه إلى تورط طرف فاعل غير مرئي في الصراع. إن السعودية هي المسؤول الأبرز عن هذه الحرب المدمرة، بشكل خاص، منذ أكثر من أربع سنوات.

إعلان الإمارات تخفيض عدد قواتها المتواجدة في اليمن لفت الانتباه إلى تورط طرف فاعل غير مرئي في الصراع. إن السعودية هي المسؤول الأبرز عن هذه الحرب المدمرة، بشكل خاص

أولا، كانت السعودية صاحبة مبادرة عملية “عاصفة الحزم”، وتترأس التحالف العربي الذي يدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا ضد ميليشيات المتمردين الحوثيين التي تدعمها إيران. ثانيا، تسببت الغارات القاتلة التي نفذتها قواتها الجوية، في سقوط الكثير من الضحايا المدنيين. وقد شجعت هذه الخروقات على ظهور حملات في الدول الغربية المختلفة مناهضة لشحنات الأسلحة الموجهة إلى الرياض.

وفي الأسابيع الأخيرة، أصبحت الأراضي السعودية مستهدفة بشكل متزايد من قبل صواريخ وطائرات مسيّرة قادمة من اليمن. وترتبط هذه الهجمات، التي تبنتها قوات الحوثي، ارتباطا واضحا بالأزمة بين الولايات المتحدة وإيران التي تثير تصاعد التوترات في المنطقة.

ونقلت الصحيفة عن متخصص الشؤون اليمنية في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، فرانسوا فريسون روش، أن الإمارات ترغب في الترويج لـ”صورة إيجابية عن نفسها، ويمكن اعتبار هذا الإعلان بمثابة عملية اتصال”، مذكرا بأن الإمارات تتدخل برا بشكل أساسي، إذ تمسك بزمام السلطة. وأضاف هذا المختص أن الإمارات “تدرب وتسلح الميليشيات الجنوبية المؤيدة للاستقلال التي تسيطر بواسطتها في الوقت الحالي على موانئ عدن، ومقر الحكومة اليمنية الشرعية، والمكلا على الساحل الجنوبي”.

وباعتبارها المكون الأساسي في التحالف العسكري إلى جانب المملكة العربية السعودية، أرسلت الإمارات آلاف الرجال، ودربت 90 ألف جندي يمني. ومن جهتها، ما زالت القوى الإقليمية، سواء المعارضة صراحة للحكومة مثل إيران أو المتحالفة مع التحالف العربي، تلقى الدعم من الفصائل اليمنية شديدة الانقسام.

وأوردت الصحيفة أن جميع القوات المحلية والإقليمية والدولية المعنية لاحظت حدوث كارثة عسكرية وسياسية وإنسانية في اليمن. ويتقاسم الجميع رغبة في معرفة مآل هذا النزاع، بمن فيهم الطرف الذي تتسبب في تفاقمها، وهو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وحسب فرانسوا فريسون روش: “أعتقد أن محمد بن سلمان يرغب في الخروج من هذا الصراع. ومع ذلك، فهو يريد حفظ ماء وجهه. فهو لا يستطيع تحمل قدرة المتمردين الحوثيين على الوقوف في وجه القوة الأولى في شبه الجزيرة العربية. وعلى الصعيد الداخلي، هل يمكن أن يحافظ على مصداقيته إذا أعطى الانطباع بخسارة صراع بدأه بنفسه؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *