معركة “البطحاء” أو الملحمة المجهولة

يوسف كمال

حقيقتان جليتان ظهرتا بالمغرب منذ أن استهدفه الاستعمار بعد معركة ” إيسلي”، الأولى أن المغاربة مقاومون أفذاذ لا يرضخون للاحتلال بسهولة،  والثانية أن تطويع المدن كان أيسر من تطويع البوادي بالنسبة للمستعمر، مما حول البوادي إلى مهد للأحداث الجسيمة التي  لم يصلنا منها غير النزر اليسير .

 

وتتداخل الكثير من العوامل في تفسير هذه الظاهرة التي نستنتجها باستقراء أحداث المقاومة  بالمغرب في الريف والأطلس والصحراء ،فأنوال وبوغافر ولهري وغيرها من المواجهات، إنما اندلعت في أماكن بعيدة عن المدَنية والمدِينة .

 

إن عزلة البوادي والأرياف ساهمت إلى حد ما في تلك الفترة في حفاظها على الكثير من خصوصياتها الاجتماعية والعقائدية والمعرفية ، وقد أشار المختار السوسي إلى أن البوادي رغم ما عرفته من تفشي الأمية في تلك الآونة كان أهلها أقرب إلى التدين، وأكثر نفورا من مخالطة الأجنبي وأكثر رفضا لأساليب المستعمرين في العيش، وأكثر استهجانا لسلوكهم. ولعل ذلك ما يفسر انخراط أبناء القبائل في الأطلس والريف والصحراء عن بكرة أبيهم في حروب المقاومة، يضاف إلى كل ذلك أن وعورة تضاريس البوادي التي تأججت فيها شرارة المقاومة ،جعلتها عصية على الاختراق بخلاف المدن التي مكنت بنيتها العمرانية من حصارها  وإلحاق أذى عظيم بساكنتها بأيسر الطرق .

 

وتأسيسا على ذلك فقد ظهرت بوادر المقاومة بالبادية بالمغرب قبل المدينة، و تناقلت  مصادر التاريخ عن أحوال المقاومين البدو في استهانتهم بالمحتل وآلته العسكرية ما يثير العجب ، إذ كانت حوادث مهاجمة مراكز المستعمرين بالفؤوس والخناجرشأنا مألوفا ، وقد ظهر من البطولات في الأصقاع النائية من المغرب مما تناقله الناس مشافهة ما يسترعي الانتباه إلى أن الكثير من وقائع المقاومة قد طواها النسيان ،و إلى ذلك  أشار المختار السوسي حين قال بأن هناك تاريخا عظيما لا مؤرخين له تناقلته الأجيال في بوادي المغرب ولم تتناقله الكتب ، وللسوسي في “المعسول ”   وقفات مع هذا التاريخ ، ومن وقفاته تلك ما أورده عن معركة ” البطحاء “وهي معركة أبلى فيها أبناء ” آيت عطا” بلاء حسنا قبل ” بوغافر” بما يقارب العقدين من الزمن، وملخص وقائع هذه المعركة أن قائدا فرنسيا اسمه ” لوستري” بتافيلالت كان جبارا شديد البأس ، بلغت به الجرأة أن أحرق الناس أحياء ، وقد كان عالما بأحوال تافيلالت والقبائل المحيطة بها متقنا للعربية والعلوم الشرعية مما مكنه من الإلمام بأحوال الناس وتوظيف معرفته تلك في ضبط حركاتهم وسكناتهم وقمع محاولات تمردهم ،فاتفق سطوع نجمه وتمكن هيبته من النفوس مع ظهور قائد من آيت عطا اسمه ” مبارك التوزونيني ” اجتمع حوله الناس وبايعوه فاستقر رأيه على اغتيال “لوستري”  ليبسط نفوذه على تافيلالت وقد أعد خطة محكمة للإيقاع به ، فكتب له يخبره بأن قبائل  “آيت خباش ” عازمة على الاستسلام للحكومة وكانت هذه القبائل قد أرهقت الفرنسيين باعتراض قوافل تموينهم ،وبينما هو منهمك في قراءة الرسالة استل الرسول خنجره وسدد له طعنات قاتلة كان فيها أجله .

 

كان مقتل “لوستري” فاجعة بالنسبة للفرنسيين حتى قالوا في تأبينه أن قتله يعادل قتل ثلث الفرنسيين ، وقد سرت الحمية في نفوس ” العطاويين ” بمقتله ،فجهزهم “مبارك ” وأمر عليهم  أحد معاونيه واسمه ” النكادي ” ثم وجههم لاقتحام المركز الفرنسي  ب “تيغمرت” من إقليم تافيلالت في حوالي ثلاثمائة رجل ، معظمهم مسلحون بهراوات لا أكثر .وحين  سمع الفرنسيون بخروجهم تهيؤوا للقائهم بمكان يقال له  البطحاء ومع وصول “العطاويين ” استقبلوهم بالمدافع والقنابل فشتتوا جمعهم وتبعوهم واستولوا على ممتلكاتهم ،غير أن الحملة الفرنسية ما كادت ترجع إلى البطحاء حتى فاجأهم العطاويون بالهجوم من جديد، يقول المختار السوسي : ” فإذا بالمنهزمين كروا على الجيش الفرنسي فصدقوه الحملة فتزعزع حتى تفرق قسمين قسم مع الرئيس وقسم آخر تشتت بين السواقي والبساتين ، فيضع الناس عليهم أيديهم يسلبون وينهبون ويقتلون وقد وقع بعض الجيش في بعض غلطا فكم بغال وأثقال وأثاث وعدة حرب استولى عليها ” آيت عطة ” فكان نصرا مبينا … وكانت هذه المعركة يوم الجمعة أوائل شوال 1336 ه وفي الغد حاول الفرنسيون أن يكروا على خصومهم فباتوا قرب أولاد اسعيد من بني امحمد فدام عليهم البارود إلى الصباح ثم خرجوا وسلكوا خارج البلد حذاء “حنا ” ب “واد حيف ” مطرودين والبربر في أثرهم .”

 

وبذلك طُرد الفرنسيون من تافيلالت ودخلها مبارك ورجاله .

وإذا كان المؤرخون  قد تحاشوا الكتابة عن تفاصيل هذه المعركة لأسباب مرتبطة بشخصية بطلها “مبارك”  فقد أنصف المختار السوسي في نقل وقائعها  بتجرد وحياد ، فبالرغم من أن مبارك أساء التصرف بعد حكمه لتافيلالت وجار على الناس ،إلا أن ذلك لا يجرده من فضل مقاومة الاحتلال وإلحاق الهزيمة به ، ومهمة المؤرخ أن ينقل الأحداث بأمانة مهما خالفت هواه ، فالأصل في الإنسان أن يكون مركبا متجانسا من الخطأ والصواب ومن المحاسن والعيوب ،وليس المطلوب ممن تصدى للتأريخ أن ينقل للأجيال صورا عن أناس يصيبون دائما ولا يخطئون ، فإن ذلك مما يحول التاريخ إلى خرافة لا علاقة لها بالحقيقة من قريب أو بعيد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *