الخبير التربوي الدريج: الجهل والغفلة تكريس لأمية الديمقراطية

غزلان الدحماني

مما لا شك فيه أن التعليم يعتبر من بين أهم الأدوات وأحد الركائز الأساسية في بناء وصياغة المنظومة القيمية والسلوكية التي تميز المجتمعات عن بعضها البعض، لذا لا يمكننا الحديث عن التعليم في غياب الحريات الخاصة والعامة وانعدام الديمقراطية الحقيقية القائمة على المساواة وتكافؤ الفرص والمبنية أيضا على العدالة الاجتماعية.

ولمعرفة علاقة الديمقراطية بالتعليم، حاور موقع “نون بريس” الخبير التربوي، محمد الدريج، والذي شدد على ضرورة ربط الديمقراطية بالتعليم، مؤكدا أنه لا ديمقراطية مع الجهل والغفلة، وأنه وجب عدم وضع الأمية والأميين وحدهم في دائرة الاتهام كلما تحدثنا عن معيقات تطبيق الديمقراطية.

وفي ما يلي جزء من نص الحوار:

-ماذا نعني بالديمقراطية والديمقراطية في التعليم ؟

الديمقراطية لا تعني الانتخابات فحسب، بل تعني كذلك حرية الاطلاع والتعبير والتفكير والتنظيم والتظاهر وحق الاختلاف، ووعي المواطن بحقوقه على الدولة، وواجباته إزاءها، واحترامه للقوانين ،إنها مسألة عقلية وثقافة وتربية قبل أن تكون مسألة صناديق. لذلك، يمكن أن يستغل أعداء الديمقراطية تفشي الأمية والجهل بين شريحة واسعة من الناس، لبث الإشاعات بينهم، وتضليلهم ضد مصالحهم وتوجيههم ضد الانتقال الديمقراطي وضد المطالبة بالعدالة والمساواة.

ومن الشروط الأساسية لقيام الديمقراطية، احترام المساواة في جميع ميادين الحياة المجتمعية، وأن يتحقق أكبر قدر ممكن من العدالة المجتمعية. وفي التعليم تقتضي المساواة وتكافؤ الفرص، أن يكون لكل فرد في المجتمع فرصة تعليمية متكافئة مع غيره منذ الانطلاق، ثم بعدها في النجاح والارتقاء بنفسـه من خلال الخدمات التعليمية.
كما أن تطبيق مبدأ الإنصاف في المدرسة يعني أن تهيأ الظروف الملائمة لكل طفل كي يتقدم بأقصى طاقته وأن يحقق ذاته دون اعتبارات للجنس أو اللغة أو المعتقد أو الانتماء الثقافي والمجتمعي…أو غير ذلك من مظاهر التمييز بمعناه السلبي غير المشروع.

-هل تتعمد الحكومات عدم إصلاح قطاع التعليم وعدم القضاء على الأمية،حتى تجد مبررا لسياستها السلطوية تحت ذريعة أن الشعوب غير واعية ولا يمكن حكمها ديمقراطيا ؟

تبين الدراسات أنه وعلى الرغم من المساعي التي تبذلها الدول العربية في مكافحة الأمية وتعليم الكبار، فما زالت نسبة الأمية عالية، وهذا مما يشجع القيادات السياسية بالادعاء بأن المواطن العربي ليس ناضجا بما فيه الكفاية ولا يستطيع أن يمارس الحرية وأن يحصل على حقوقه، مما قد “يبرر” غياب الممارسة الديمقراطية والخضوع لحكم فرد أو قلة، و”يبرر” غياب الوعي والإرادة السياسية وتنفيذ إرادة الحاكم ورغباته. و من نتائج ذلك بقاء معظم تلك الدول إن لم نقل كلها،بسبب ضعف الوعي السياسي والاجتماعي في وضعية المحافظة وهيمنة الأقلية على الامتيازات، الأمر الذي يغدو من أهم معوقات الانتقال الديمقراطي فيها.

وفي المغرب، تبين آخر إحصائيات الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، وهي مؤسسة رسمية تعنى مبدئيا وتشريعيا على الأقل ، بمحاربة الأمية ، أنّ عدد الأميين في البلاد يبلغ نحو عشرة ملايين أمي، وأن نسبة الأمية بين الذين تجاوزوا سن العاشرة تصل إلى 28 في المائة، فيما تبلغ 38 في المائة بين الذين تجاوزوا الخامسة عشرة من عمرهم.
في حين يؤكد مكتب اليونسكو بالرباط ، أن قضية محو الأمية جد معقدة لدرجة أنها تتطلب عملا جديا وشاملا و تتطلب تضافر جهود جميع الجهات المعنية (الحكومة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص…)، خصوصا أن 32 في المائة من سكان المغرب لا يزالون يعانون من الأمية، وفقا للإحصاء العام للسكان والسكنى لعام2014 .

-هل يمكن الوصول إلى مجتمع ديمقراطي وحضاري دون تعميم التعليم وألا نعود بذلك ومجددا لوضع الأمية والأميين وحدهم في قفص الاتهام ؟

فعلا، لا يمكن الجمع بين الاقتناع بالديمقراطية وبين الرغبة في تضييق التعليم وحصره في فئة محدودة فقط. وهذا يجعلنا نؤكد من جديد على أن لا ديمقراطية مع الجهل والغفلة، لأنها لا يمكن أن توجد سوى مع أفراد متعلمين يعرفون حقوقهم ويصرون على الاستفادة منها ،ويعرفون ما عليهم من واجبات فينهضون بها ويؤدونها. في حين أن الأمي ليس وحده عرضة لأن يكون ضحية للاستبداد بسبب جهله، بل قد يكون هو ذاته مستبدا بالقوة.

وما يزيد الطين بلة، النقص المريع في المعرفة والاطلاع بين المتعلمين أنفسهم، أي ما يسمى بالأمية الثقافية وبضعف الوعي السياسي ومشاركة الشباب في الحياة العامة ،كما يعبر عن ذلك تقرير الأمم المتحدة ( 2003 ) عن “التنمية البشرية في العالم العربي”. وهذه المشكلة تمثل في نظرنا ،عقبة جديدة أمام الديمقراطية و الديمقراطية في المدرسة على وجه الخصوص.

ومن هنا تبدأ معالم الدوامة والحلقة المفرغة تنجلي من جديد أمام الحالمين بالتربية على الديمقراطية ، ذلك أننا في الوقت الذي نعترف فيه بأن أساس نجاح الديمقراطية في أي مجتمع هو إشاعة التعليم ومحاربة الأمية، نكون مضطرين للاعتراف في نفس الآن، بأن الأمية ليست وحدها وراء أزمة الانتقال الديمقراطي، بل هناك أسباب أخرى تتضافر وتتكالب، وخاصة تلك المتمثلة في التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية و كذلك تقاطع مصالح الأفرادوالأسر والمجتمعات عموما، وتضاربها مع مصالح أعداء الديمقراطية ،فضلا عن الجشع المالي والفساد والرشوة والمحسوبية وضعف المراقبة وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما قد تكون وراء ذلك وفي بعض الحالات، النزعات الطائفية والنعرات الحزبية والتي قد تتخذ أشكالا جد ملتوية.

لذلك فمن المجحف وضع الأمية والأميين وحدهم في دائرة الاتهام كلما تحدثنا عن معيقات تطبيق الديمقراطية والتي كثيرا ما تكون غائبة أو مغيبة حتى لدى المتعلمين أنفسهم، بل وحتى لدى بعض خريجي الجامعات.

الحوار يتبع..

Almassae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *