محمد القري..العلامة والأديب و الفقيه المغربي

يوسف كمال

كانت ولادة العلامة الفقيه ،الأديب الأريب ،الشاعر المجيد ،  محمد  القري  بتاونات في قرية بني قرة سنة 1900م  وبها  حفظ القرآن الكريم و بعض المختصرات في النحو والفقه و تعلم أولى مبادئ اللغة من والده ،  و في ذلك يقول عن نفسه   ” ثم ألزمني  (والدي ) بحفظ عدة مصنفات فلم أبلغ العاشرة من عمري إلا و أنا أستظهر منها جملة وافرة حفظا كما تعهده في حفظ الإنسان حالة صغره من دون أن يكون مشتغل الفكر  ”

 

وقد نشأ في صيانة وعفاف ومرد ذلك إلى حرص والده على تأديبه ، فكان ذلك أدعى إلى نبوغه في وقت مبكر  وتيقظ جذوة قريحته إذ لم تصرفه عن العلم دواعي اللهو و العبث كما كان يحدث مع أقرانه حتى إن والده كان يلقي عليه الدروس في أوقات النوم والطعام لا يفوت فرصة دون أن يضيف إلى مخزونه العلمي جديدا  وبعد   “بني قرة  ” رحل القري إلى منارة الدنيا و مهوى أفئدة العلماء  وطلبة العلم ،فكانت القرويين محطته الثانية في تحصيل المعارف وتنمية المدارك، وبها ثنى ركبه بين يدي أئمتها الأفاضل المحدث   الحجة  “عبد الحي الكتاني ”   والعلامة الثبت ” بوشعيب الدكالي  ”

 

والأصولي الوقاد  ” عباس بناني ” وغيرهم ،ثم انتقل إلى التدريس بالمدرسة الناصرية بعد حصوله على العالمية وهي أرفع شهادة تمنحها “القرويين” لطلبتها ،إذ تعني أهلية صاحبها للفتوى وتولي شؤون القضاء ،  وككل المنتسبين للقرويين كتب القري الشعر وبرع في كتابته،وتدل أشعاره على قوة عارضته وتمكنه من صنعة القريض وقد برع في جملة من الأغراض الشعرية ،بيد أن ما عانته أمته من تسلط الغزاة وتشبعه بالأفكار الإصلاحية صرفه إلى توظيف موهبته  في استنهاض همم بني قومه  ودعوتهم إلى الأخذ بأسباب القوة في مواجهة عدوهم .

 

والقري حين يكتب في الغزل تجده شاعرا رقيقا ، طلي السبك سهل العبارة ، حتي تخال أنه لا يتقن غير  وصف الغيد الحسان  و التغني بالهجر والوصال  والحديث عن أخبار ليلى وسعاد ومي ، ومن نماذج نظمه في الغرام   :

هو الحب   داء   للنفوس   محبب

وإن  كان  كل   العاشقين يعذب

و إن كان لا  يرثى لصب مدله

براه  الهوى   فهو الأسيرالمعذب

هو  الحب  في  كل الأنام مسيطر

فمن شاء  يرضيه ومن شاء يغضب

 

وحين يجد الجد فهو الأسد الهصور الذي لا تلين له قناة ، العالم العامل المجد المجتهد ،ومعلوم ما كان للقرويين في زمنه  من دور في الحياة السياسية والثقافية والفكرية بالمغرب ، فجل رجال البلاط كانوا من رجالاتها  لا يقطع سلاطين المغرب أمرا دونهم ،فلما أن هبت على المغرب ريح الاستعمار كان أول شأن الغزاة لما دخلوا فاس ملاحقة  العلماء ومحاصرتهم وقد ذكر عبد الله كنون في معرض كتابته لسيرته الذاتية  كيف جمع الفرنسيون علماء فاس  ومن ضمنهم والده وعمه وتعرفوا منهم مناهج التدريس بالقرويين  ودونوا كل ذلك ليبنوا عليه خطتهم في عزل القرويين  عن التأثير في حياة الناس ،وإن لم يكن في ذلك  العهد فليكن بعد حين .

 

كان القري واحدا من العلماء المصلحين الذين حملوا على عاتقهم  أمانة إحياء ما اندرس من بواعث المجد في نفوس أبناء  أمتهم ، فإذا شجع الغزاة على نشر الخرافات والضلالات ليسهل توجيه الناس الوجهة التي يرتضيها لهم الغاصبون انبرى لهم عالم القرويين فأنشأ مدرسة  ” الزاوية  الخضراء  ”  رفقة أخويه  ” عبد الهادي بن سودة  ”  و  ” يحيى بن سودة  ”  و أشهر قلمه مستنهضا  للهمم و مدافعا عن القيم، بالمسرح تارة  حين يؤلف  ” أدب العلم و نتائجه ” وبالشعر تارة أخرى حين ينظم   :

 

قاتل الله أمة  رضيت    بال           جهل  وحببته    العبادا

لا عفا الله  عن أناس   أضلو      نا   فزادوا  من الإله بعادا

علم   الجاهلون أنهم في ال          جهل ما يطلبون منه ازديادا

لم    يظنوا   أنا  فطنا  من          قبل أن   يقبلوا علينا المرادا

 

نظر القري إلى حال النساء وما يعانينه   تحت وطأة الجهل فدعا إلى تحرير المرأة وتعليمها ورأى في إقصائها عارا على المجتمع بأجمعه

وبقاء    الفتاة  جاهلة  عا               ر عليكم  لا  ينقضي الآبادا

أين دين أتى بحرمانها من              ه ضللتم لا تعرفون الرشادا

 

ودعا إلى الحفاظ على اللغة العربية لأنها صلة الوصل بين الأمة ودينها وسبيلها إلى المجد و الرقي ،وكان مستشعرا لخطورة ما يحيكه المستعمر من مؤامرة على اللغة واعيا بأهميتها في معركة أمته ضد عدوها.

 

ظل القري ملتصقا بهموم وطنه مطلعا على أحوال بني قومه، وهو لم يغادر المغرب لتجارة أو مال ولم يطلب منصبا أو جاها يعزله عن الناس رغم ضيق ذات يده، يشخص علل  المجتمع  ويصف دواءها ، وحين أحس بأن أوان الحركة قد أزف نزل إلى الشارع محرضا للجماهير داعيا إلى تأسيس حزب وطني توكل إليه مهمة الإشراف على شؤون الناس  وتدبير مصالحهم وفي سنة 1937م كان الشارع يغلي مطالبا  بالعدالة منتفضا ضد ظلم الطغاة ،وكان القري واحدا من قادة الوطنيين الأحرار، ولم يكن غافلا عما ينتظره إذ كان على بينة من أمره مسترخصا لروحه   في سبيل مبدئه، يروي صديقه  المؤرخ عبد السلام بن عبد القادر بن سودة  أنه زاره  ببيته قبيل اعتقاله وأنه شرب عنده اللبن  وأخبره أنها ستكون آخر زيارة له لداره  ولم يمض على تلك الزيارة غير يسير حتى ألقي به في سجن  اغبالو  نكردوس رفقة زمرة من الوطنيين حيث ستبتدئ فصول  مأساته ، يقول الأستاذ محمد ابراهيم  الكتاني في كتابه   ”  ذكريات  سجين مكافح  أو أيام كلميما” متحدثا عن تعذيب القري  ”  تفننوا في تعذيبه  والتمثيل به  بدعوى إرغامه على الوقوف  والسير ، فمن ذلك  أنهم كانوا يوقفونه بين شخصين و يجعلون الهراوة  تحت ذقنه ،ثم يزيلون الهراوة من تحت ذقنه فيهوي  -رحمه الله –  بقوة … وقد تكررت هذه العملية منهم هذه العشية  أكثر من عشرين مرة …. و (القوم ) يتبارون في ضربه على رأسه وظهره بهراويهم  الغليظة  حتى وصلوا به للمعتقل” ثم قال متحدثا عن وفاته ” وفي هذا اليوم أسلم الروح الشهيد محمد القري  رحمه الله ، بعدما غاب خمسة ليال وأربعة أيام لا نعلم ماذا جرى له فيها ،زيادة على ما وقع بمرأى منا ..فكان موته رحمه الله خسارة لا تعوض ورزية وطنية عظمى ،إذ كان مؤمنا سلفيا صادق الإيمان ،وشاعرا مكثرا ،وكاتبا وخطيبا مؤثرا ،وعلامة لغويا مطلعا متبحرا… إنها ضريبة الحرية والاستقلال  التي أداها هؤلاء المناضلون أثناء هذا الاعتقال وقبله وبعده لينعم الوطن بالحرية و الكرامة  “.

 

وكان استشهاده يوم الأربعاء 8 ديسمبر  1937م ،ودفن بكلميما ،فرثاه شعراء المغرب كما يرثون واحدا من مبرزيهم  وأئمتهم ، وكذلك كان القري فارس الكلمة  والميدان ومن المراثي التي قيلت فيه ما أورده الكتاني في مذكراته من نظم الأستاذ عبد السلام بن أحمد الوالي :

 

ظلام السجن خيم في فؤادي           وأيام تنغص لي مرادي

سيأتي اليسر بعد العسر حقا           وحكم الله ينفذ في العباد

أأنسى  القري  الغريد    لما           تجرع ما تجرع  بالجلاد

إلى أن مات في الميدان حرا          شهيدا ليس يعبأ بالعوادي

Almassae

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.