آثار فيروس كورونا على سايكولوجيا الإنسان المغربي

*
لم يشهد العالم منذ الحرب العالمية الثانية أزمة حقيقية كتلك التي أحدثها انتشار فايروس كورونا في العالم.
فالأجيال الشابة اليوم كلها كبرت ضمن المفهوم المسيطر في عصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات بأن العالم هو قرية صغيرة مترابطة ومتصلة، السفر متاح على مدار الساعة والتواصل متعدد الاشكال والصور.
جاءت الصدمة بسقوط مفاهيم حرية الانتقال والتنقل وعودة الانسان الى دائرته الصغيرة، اما الأخطر فهو صدمة الانسان بالواقع الجديد، محددات وفروض تصل الى منع الطقوس الأساسية والطبيعية للإنسان. وبالرغم من ان الانسان يمتلك خاصية التكيف مع الامر المفروض عليه والذي لا يختاره في اغلب الأحيان الا انه لا يمكن اسقاط الأثر السيكولوجي الكبير الذي يمكن لصدمة من هذا النوع احداثه في المجتمعات.
من الناحية السيكولوجية، من المستحيل اقناع الانسان المعاصر بمحددات للسلوكيات الطبيعية، او عدم قدرته على ممارسة حياته الطبيعية في أبسط صورها وادنى مستوى حرياته المتمثل بخروجه من المنزل. عداك عن الصدمة الكبرى التي تواجه انسان اليوم الذي يمكن تصنيفه كضحية لحالة متفاقمة من الاستهلاكية والاعتماد، في ظل مجتمعات تحولت الى مجتمعات غير منتجة ومبررة لاستهلاكية مفرطة.
هذا يقودنا اليوم الى تفكير في النموذج الإنساني الذي تم استحداثه في معظم المجتمعات الاستهلاكية وهو نموذج تم صناعته في أجواء يمكن وصفها بأنها “بلا صعوبات” حقيقية، مما قد يوضح لنا حجم الازمة السيكولوجية التي تعيشها المجتمعات في مواجهة اول الصعوبات، والتي لا تقف عند المحددات السلوكية بل قد تصل الى مواجهة خطر عدم توفر المقومات الأساسية للحياة.
المشهد الذي رسمه المغرب بات مشهداً مليئاً بالكثير من المشاعر الإيجابيّة، حيث رجال الجيش والقوى الأمنيّة مُنتشرين على كافّة طُرقات المملكة، والغاية فقط هي التأكّد من عدم خُروج المغاربة من منازلهم، حِرصاً على سلامتهم، وصحّتهم، وتطبيقاً لقانون حظر التجوّل، وهو مشهدٌ غايةٌ في البهاء والتضحية، فيما لو عقدنا مُقارنةً في أسباب فرض حالة الطوارئ في دول مُجاورة، وأسباب انتشار الجيش، هذا عدا عن تدهور الأداء الصحّي ونظامه في التعامل مع كورونا “كوفيد 19″، وتواصل حالة الإنكار في تلك الدول
المشهد السلبيّ الذي جرى تسجيله خلال تلك الأزمة، أو مع بدءا سريان حظر التجوّل في المغرب، ليس تقصيراً حُكوميّاً كما جرت العادة، بقدر ما هو تقصير شعبي بحق أنفسهم أوّلاً، وحق البلد بأكمله ثانياً، فماذا يعني أن يجري الإعلان عن مئات المُخالفين لقرار حظر التجوّل في اليوم الأول وخروجه لتسبيح وتهليل، بل وتُسجّل عدسة أجهزة المُواطنين مشاهد، لحالات كر وفر بين فارّين من منازلهم، وبين أفراد والأمن، الذين يُلاحقوهم، وكأنّ المشهد أشبه بأطفال لا بالغين عُقلاء، جرى مُعاقبتهم من قبل والديهم، والعُقوبة عدم الخُروج من المنزل، فمتى يعقل هؤلاء؟ ونأمل أن يُعلمونا ما هي الأسباب التي دفعتهم للخُروج المُلِح، إذا كانت جميع المحلات مُقفَلة بأمر حظر التجوّل، فيما الحالات المرضيّة يجري التّجاوب معها.
يمكن النظر الى هذه المرحلة على انها مرحلة “هندسة العقل البشري” إعادة صياغته ضمن قواعد جديدة يتم من خلالها تحديد العلاقات البشرية باعتبار ان التواصل البشري المباشر بات هو سبب من أسباب المرض وانتقال العدوى.
لكن هذا الفراغ المتشكل من سيملأه؟
لاشك بأن فايروس كورونا وحالة الهوس البشري الحالية ستنتهي لكن هل يمكن ان تكون نهاية هذا الفايروس كمن سبقه من فايروسات؟ هل يمكن للإنسان العودة لما كان عليه سابقاً؟
الحقيقة ان عملية الرصد للسلوك الإنساني المتكيف مع المحددات المجتمعية الجديدة تشير بوضوح ان ما كان يحضر في العقدين الماضيين بات يستعد لملء الفراغ بقوة وفي كافة التفاصيل.
ذ. شعيب لمسهل
محامي متمرن
نائب رئيس المركز المغربي للتنمية والوعي القانوني
باحث في القانون والعلوم الاجتماعية

Almassae