أعيدوا للقانون مفهومه الصحيح أو انبطحوا مع المنبطحين

*
بقُبعةٍ حقوقية.
نشهد في هذه الأيام انتكاسة مهولة للمبادئ والقواعد المُجمعِ على قدسيتها منطقيا، وخلقيا، وعالميا، ووطنيا؛ ولن أتحدث عن هذا المشروع ودلالاته وما استفاض فيه مجموعة من الرجال الحقوقيين ليس الآن فقط، بل في الماضي والحال وما ستكتب أنامل أياديهم في المآل …
لكنني سأعود لأصل المشكل ومنبعه، إذ عند تعدد مظاهر معينة وانتشارها، يرجح الرجوع للأصل الأصيل، لاستجلاء جوهر المشكل وأصله، وقد صدق الأصوليون حينما قالوا ” الأصل شيء حسي وعقلي مفاده أساس بناء الحكم”.
والأصل في ما نراه اليوم من انفلاتات تشريعية، طالت مجموعة من النصوص القانونية -التي لا تعبر عن إرادة الأمة من جهة، ولا تتضمن زخما حيويا ممن استقرت عليه أعمالهم من جهة أخرى، بل وأنها تتعارض مع قواعد دستورية من جهة ثالثة- هو الفهم الشائع و الخاطئ للقانون، وما يصحبه من خلفية وغاية ومصدرية تاريخية، وتلك النظرة اليتيمة له كنصوص قانونية وعبارات لفظية، لا تشكل في المفهوم الدقيق الواسع له إلى قلة الأقلية.
أقول وبالله التوفيق، أنه آن الأوان لإعادة النظر في مفهوم القانون وعلاقته بالدولة، وتجاوز ذلك المنظور الشكلي السطحي له، والمرتبط بإعطاء الأولوية للدولة في إطار مفهوم الواحدية القانونية الحتمية، بل وجب التوسع في المنظور القانوني كنظام دولتي مصحوب بأنظمة قانونية أخرى، في إطار ما يسمى بالتعددية القانونية، فما قننته الدولة قانون نعم، لكن ليس كل مالم تقننه الدولة ليس بقانون، مادام حاضرا في مجتمعات معينة، وشعروا بإلزاميته وخضوعهم له، فالأحكام الاجتماعية القوية التي لا يؤطرها القانون الآن، ستصبح وفي يوم ما وبالضرورة لها تأطير قانوني، كنتيجة لتلك الكثافة و القوة الاجتماعية الحاضية بها، فاعتراف مدونة التجارة بالعرف كمصدر أساسي لها جاء نتيجة لمنبعيته التاريخية للقواعد التي تقوم عليها التجارة اليوم، من سرعة وائتمان وتضامن … ، وإثبات النسب كقاعدة أساسية اعترف بها المشرع في مدونة الأسرة، جاء نتيجة لحيويتها في مناطق متعددة، نتاجا لذلك؛ فربط القانون بالفعل السياسي ووجود الدولة، فيه ضرب كبير للفكر الانساني الاجتماعي، فالقانون من هذا المنطلق، ذلك النسق المحكم الشديد الترابط والتماسك، والمحيط بالمصالح الأساسية للأفراد، سواء كانت الدولة أو لم تكن، فإذا وجدت الدولة، فستساهم في حماية ذلك عن طريق تأطيره عبر وسيلة التشريع، أما إذا لم توجد، فلا ضير في ذلك، مادام هناك نسق حيوي يحكم الانتاج الاجتماعي، فالدولة في النهاية، ماهي إلى منظومة قانونية تتخذ في التشريع وسيلة لحماية النسق الحيوي المتعارف عليه بين الأفراد.
إن الدارس الجيد للتاريخ السياسي، والقانوني، والحقوقي بالأساس، يعي بوعي سامي، وإيمان اعتقادي عميق، أن الأفراد المكونين للشعوب هم الأصل، وبلغة أدق، هم الدائنون، أما الدولة فما هي إلا مدين لهذا الشعب في علاقة تعاقدية محضة منبعها العقد الاجتماعي، أما مشروعيتها فتتمثل في تحقيق المتطلبات اللازمة والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، كوسيلة محلية مصغرة لصياغة ما هو مكرس بالإعلان العالمي لحقوق الانسان كأصل، وما صحبته من اتفاقيات لاحقة كفرع، والفرع يتبع الأصل وجودا وعدما.
ومن تم نقول أن احتكار الدولة للتشريع، ماهو إلا وسيلة للحفاظ على تلك الحقوق وصيانتها، تحت طائلة الطعن في مشروعيتها من الأصل الأصيل، فهي بذلك وسيلة فرضتها الضرورة الحتمية للوصول لغاية تحقيق مجموعة من الحقوق والحريات وصيانتها، وعلى رأسها حرية التعبير والرأي. فأين نحن اليوم من ذلك … ؟
وجب إذن، ضرورة إعادة صياغة طريقة التفكير في منظور ومفهوم القانون، وتلك النظرة القدسية للدولة في علاقتها بوضع النص ومصدريته، فمركز الثقل في هذه العلاقة التعاقدية هو الشعب، وما الدولة إلا مؤسسة وساطة اتفاقية عقدية، تعمل على الحفاظ على الحقوق المتعاقد بشأنها بوسائل متعددة، لتحقيق التزامها القانوني، الذي هو التزام بتحقيق غاية.
أناشد رجال الدولة العارفين،( وكثيرٌ ما هُم) بإعادة التوازن الناجع، وإعادة الأصل إلى أصله، كما أناشد غير العارفين بالمعرفة الدقيقة، اجتهادا، وتحصيلا، وتجردا من كل الايديولوجيات الشخصية.
ختاما، فقد تدخل الدُبابُ لصنع العسل، فَفر النحل إلى الجبل، فمن أراد العسل صعد الى الجبل، و من أراد الدُباب فل يَنبطح مع المنبطحين …
* ذ/فخصي معاذ
محامي متمرن بهيئة الدار البيضاء
ناشط حقوقي
طالب باحث
Almassae