أيها العرب: إما أن تثوروا أو تموتوا

نحن، الشعوب العربية قاطبة، أمام خطر كبير يتمثل بشعور الأنظمة بخطر قادم. يسري هذا الشعور بينها جميعا دون استثناء، لذلك تسعى إلى لملمة صفوفها، عبر احتضان الأسد ودعم البشير والشد على يد السيسي وتعويم سيف الإسلام القذافي. إنها محاولات حثيثة لإعادة بناء منظومة الاستبداد التي انهارت في موجة الربيع العربي الأولى؛ لمواجهة ما تعتقده الأنظمة بالموجة القادمة الأكثر خطرا وأشد صلابة.

منذ الربيع العربي، المفوّت، استحضرت الأنظمة العربية قوائم أفعالها، دونتها على حيطان قصورها، عددّتها واحدة واحدة، من إبادات إلى قمع حريات وتنكيل بالناشطين والحقوقيين وقتل للصحفيين، لا لتدين نفسها وتصحّح أساليب ووسائل حكمها، بل لتذكّر أفرادها أن الحرب ستكون إما قاتلا أو مقتولا، وأن طريق المقابر ستكون معبدة بتهاون ساكني تلك القصور وأجهزة اسختباراتهم، أو غفلتهم للحظة واحدة عن المخاطر، التي باتت تتجسد في آلاف الصور والنماذج الجوعى والمهدورة كرامتهم والطامحين لمستقبل مشرف.

العصابات الحاكمة اتخذت قرارا واضحا في المبادرة إلى الهجوم، وليس انتظار حصول الثورات والتمردات الجماهيرية، كما كان يحصل سابقا

يكمن الخطر القادم على الشعوب العربية في أن هذه العصابات الحاكمة اتخذت قرارا واضحا في المبادرة إلى الهجوم، وليس انتظار حصول الثورات والتمردات الجماهيرية، كما كان يحصل سابقا. ورأينا في الفترة السابقة حجم الإدانات التي صبتها أنظمة الحكم العربية على ثورات الربيع العربي، سلطت أبواقها لإدانة ضحايا الأنظمة، ووصفت ربيعهم بالخريف، واتهمتهم بالجهل والظلامية والعمالة، وحمّلتهم مسؤولية موتهم وتشردهم وقتل أطفالهم واغتصاب نسائهم. كان ذلك عملا مبرمجا، الهدف منه تحذير كل من تسوّل له نفسه من الشعوب العربية الثورة على هذه العصابات، سيكون نصيبكم الموت والعار ولن يتغير شيء على الإطلاق.

لا خيارات أمام الشعوب العربية، هذه الرسالة التي تبثها وسائل إعلام منظومة الاستبداد العربية التي بدأت تنظم أنفسها، وتعيد بناء مفاصلها وتعمل على ترميم شبكة علاقاتها. وبعد اليوم، لن يكون ثمّة خوف لا من إدانة ولا من رأي عام دولي ولا من منظمات حقوق للإنسان، فقد شكّلت المجازر التي ارتكبها نظام الأسد مختبرا لمعرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأنظمة العربية في سحق شعوبها، واكتشفت أنه مفتوح على أفق واسع وحدود لا نهائية، ما دامت الخطوط الحمر للدول الكبرى مصانة، وهي بالطبع ليست حياة ملايين الشعوب العربية.

شكّلت المجازر التي ارتكبها نظام الأسد مختبرا لمعرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأنظمة العربية في سحق شعوبها، واكتشفت أنه مفتوح على أفق واسع وحدود لا نهائية

وثمّة أمر يرفع من منسوب المخاطر على الشعوب العربية في المرحلة القادمة، يتمثل بالأزمة الاقتصادية العالمية التي باتت تلوح في الأفق، حيث هناك توقعات بحصولها في مدى زمني قريب لا يتجاوز السنة أو السنتين. ولا شك أن انعكاسها على البلاد العربية ستكون له آثار مدمرة، إذ تعاني جميع الدول العربية من أزمات مالية خانقة حتى قبل حصول أي أزمة عالمية. والمعلوم أن غالبية الأنظمة العربية دخلت الألفية الجديدة بحالة ارتباك شديد بسبب تخلفها التقني والتكنولوجي، وتخلف أنظمتها المالية وفسادها، بعد أن أصبحت إدارة الأموال والميزانيات عمليات معقّدة في ظل العولمة والتجارة الإلكترونية والبورصات.

الحلول الممكنة للخروج من هذه الأزمات وتصحيح مسارات الدول العربية هي حلول غير مغرية لأنظمة الحكم العربية، فالشفافية والديمقراطية والتداولية هي وصفات للموت السريع بالنسبة لهذه الأنظمة، وعندما يسمعون مجرد ذكرها يتحسسّون مخازن أسلحتهم ويحصون ذخائرها للاطمنان، ما إذا كانت كافية لقتل موجات المتظاهرين الأولى والعاشرة كي يتسنى إخضاع البقية، تريدون أن تبقوا بسلام، لا تتدخلوا في الأمور التي لا تعنيكم.. لا تسألوا عن الوارد والصادر، وكيف نعيش وننفق الأموال.. لا تسألونا عن موت أبنائكم جوعا أو تخمة، هذه الأموال والثروات والمكانات حصلنا عليها بفوهات بنادقنا، وإن أردتم تخليصها منا فستواجهون طائراتنا ودباباتنا وصواريخنا.

كل يوم زيادة تقضيه هذه العصابات في السلطة يقابله موت وفواجع، وكل يوم زيادة في حياتها تقابله خسارة من رصيد الأجيال القادمة

في الوقت نفسه، لم تعد ثمّة حلول ممكنة للشعوب العربية، ضاقت كل الخيارات، فلا الهجرة باتت ممكنة، ولا السكوت عن موت الأبناء جوعا بات محتملا. لم تعد الأسواق تولد فرص عمل، ولا الحقول تنتج ما يشبع البطون، وزحف الصدأ على خطوط المصانع والورش، ولم تعد الموانئ صالحة للسفر.

كل يوم باتت تقضيه الشعوب العربية في كنف حكم هذه العصابات خطر حقيقي. كل يوم زيادة تقضيه هذه العصابات في السلطة يقابله موت وفواجع، وكل يوم زيادة في حياتها تقابله خسارة من رصيد الأجيال القادمة. أيها العرب إن لم تثوروا فإنكم ميتون.