إسرائيل ليست عدوي.. كيف تغيرت الصورة النمطية للاحتلال عند العرب؟

كيف تغيرت الصورة النمطية للاحتلال الإسرائيلي عند العرب؟

سؤال نحتاج للإجابة عنه، الغوص في طبقات من التراكمات والتناقضات، السياسية والنفسية والأيديولوجية، على مستويين، المستوى الشعبي ومستوى صناع القرار في العالم العربي.

عشر سنوات مضت، تغيّرت فيها العديد من المبادئ والمسلّمات، مع الزحف نحو التغيير، ونزعة الميل نحو كسر الصور النمطية، ابتداء من صورة الخوف من الحاكم والجلاد.

لكن هذه التحركات لم تمثل سوى جزء صغير من الصورة الكبيرة لما يحدث فعليا، فبينما كان المحتجون في الشوارع العربية يحطمون تماثيلهم التي كانوا يحيّونها كل صباح، كان هناك من يسعى لإعادة خلط الأوراق، انطلاقا من عاملين، أولا: إدارة الأزمات التي أحدثتها الثورات العربية بالنسبة للأنظمة التي باتت مهددة وجودياً، وسببت تلاشي هيبة الحاكم المهيمن. ثانيا: استغلال حالة الفوضى والزلزال المجتمعي والسياسي للخروج بعدد من المكاسب، وتمرير مسلّمات جديدة، من خلال استغلال الموارد المتاحة من تقدم تكنولوجي وإعلامي، لتمرير الرسائل، وصناعة الدعايات الترويجية، تحت ما يمكننا تصنيفه باستراتيجية “الثورة المضادة”.

هذان العاملان شكلا استراتيجية “الكبح والمواجهة”، التي ساهم في نجاحها دخول فواعل إقليمية من دول ومليشيات عابرة للحدود (إيرانية- مذهبية)، إلى حلبة الصراع، مما أدى إلى تنشيط سياسية المحاور، التي باتت هي الأخرى أزمة منفردة ومتداخلة بآن معا.

وبالعودة إلى إجابة السؤال أعلاه، فإن عملية تغيير الصورة النمطية التي حفرت في وجدان العرب، منذ عام 1948، كانت جزءا من مسار “التغيير والتغييب”، الذي استهدف تغيير البوصلة، فبوابة مقارعة الاحتلال الإسرائيلي، ارتبطت فعليا بانهيار الدول الوظيفية، التي مثلت خير حامٍ لـ”دولة إسرائيل”، منذ بداية نشأتها وحتى اليوم، وذلك عبر استغلال الاستقطاب وخلق عدو جديد، حاضر على الساحة متمثلا بطهران التي تؤدي دورا ناجحا كصديق سرّي، وعدو ظاهري، ضمن المخطط ذاته، ساعدت على تلك العلاقة التي تجمع حركات سياسية فلسطينية بإيران، الفخ الذي لم تستطع الخروج منه، وكان سببا مباشرا في استخدام هذه العلاقة المشوهة، كدليل إدانة ناجح ضمن هذا المسار.

وعلى مبدأ عدو عدوي صديقي، وظفت لهذه المهمة آلة إعلامية ودعائية ضخمة، لتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها كقضية المسلمين جميعهم، من خلال حملات تشويه ممنهجة، تقابلها دعاية حب وسلام لإسرائيل، فرُصدت لذلك مسلسلات وبرامج رمضانية، ومغردون وذباب إلكتروني.

الموقف الرسمي المعلن خرج عن الكليشيهات المعتادة بخصوص إسرائيل، وبات أكثر “وقاحة” في التعاطي أيضا، وهو ما تجلى برفض الجامعة العربية مشروع قرار فلسطيني يدين التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، الأمر الذي وصفه جاريد كوشنر بـ”التحول المهم في المنطقة”، وفي الوقت ذاته تم تشكيل “اللجنة العربية الوزارية بشأن التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية”، كما تم إدراج بند التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية؛ كبند دائم على جدول أعمال مجلس الجامعة الوزاري.

ورغم أنه يصعب قياس مدى استجابة الشرائح المعرّضة لهذه الحملات، وتأكيد وجود معارضة كبيرة لهذه الخطوات، إلا أن أصوات هؤلاء تبقى مكتومة، في ظل حملات تكميم الأفواه، والاعتقالات، وإسكات الأصوات المخالفة لهذه التوجهات، الأمر الذي يُسعد بطبيعة الحال تل أبيب، التي تفوقت بدعايتها الموجهة نحو العرب على الدعاية الهتلرية، ويستقطب ضعاف النفوس والمرضى ممن وقعوا ضحية هذه الألاعيب، وقدموا عقولهم سلعة بخسة يباع ويُشترى بها، وهؤلاء أيضا كثر، نرى فقرهم يوميا في نقاشاتنا وأحاديثنا.

Almassae