اتحاد المغرب العربي… مات دون أن يدفن!

هل من أحد يذكره؟ هو الآن في الثلاثين من العمر لكن لا أحد احتفل حقا بعيد ميلاده في السابع عشر من هذا الشهر. ولد واعدا لكنه لم ينجز شيئا تقريبا فقد مرت سنوات شبابه عقيمة بالكامل.
قبل ثلاثين عاما أطل من شرفة القصر البلدي بمدينة مراكش المغربية قادة كل من المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس وليبيا ليعلنوا قيام اتحاد دول المغرب العربي، لقطة الأرجح أنها الأولى والأخيرة التي جمعت الراحلين الحسن الثاني والشاذلي بن جديد ومعمر القذافي مع زين العابدين بن علي ومعاوية ولد الطايع.

ربما تبادل قادة الدول الخمس، ولكل منهم شأن يغنيه عن هذا الاتحاد، بعض برقيات المجاملة للتهنئة بهذا الحدث الذي هو «خيار استراتيجي ومطلب شعبي»، مجددين «الحرص على النهوض بمؤسسات الاتحاد وتنشيط هياكله» كما ورد في برقيات أرسلها الرئيس بوتفليقة لنظرائه بهذه المناسبة. لكن المفارقة هنا، أن الجزائر نفسها التي قال رئيسها هذا الكلام هي الجزائر التي توجد حدودها البرية مغلقة مع جارتها المغرب منذ أكثر من عشرين عاما رغم أن العلاقات الدبلوماسية بينهما لم تقطع وكذلك الرحلات الجوية!! وقبل أيام قليلة فقط عرضت إحدى الشاشات العربية لقطات لأهالي تجمعوا على طرفي الحدود ليبادلوا التحايا والأشواق عن بعد حتى لكأنك تظن أن المشهد هو في الجولان السوري المحتل.

مجرد بقاء هذه الحدود مغلقة يلخص الوضع الحالي للاتحاد دون فذلكة أو إنشائيات البرقيات المتبادلة التي تقول كلاما كبيرا في حين لا توجد أية إرادة لحل أي إشكال مهما بدا صغيرا أو محدودا.

صحيح أن للاتحاد مقرا في الرباط وأن له أمينا عاما هو التونسي الطيب البكوش لكن الأمور تقف عند هذا الحد منذ سنوات طويلة حتى قبل أن تعرف تونس ما عرفته وكذلك ليبيا عام 2011 من ثورة أطاحت باثنين من المؤسسين للاتحاد. آخر قمة جمعت قادة الدول الخمس كانت في أبريل-نيسان 1994 ولم تلتئم بعدها أية قمة على الإطلاق. خلال هذه السنوات أعلن كذا مرة عن إمكانية عقد قمة لكن سرعان ما يتضح أن لا شيء من ذلك سيحدث لسبب أو آخر. آخر محاولة جرت في هذا الاتجاه سعى إليها وقتها الرئيس التونسي المؤقت المنصف المرزوقي إلى درجة إعلان مدير مكتبه في مؤتمر صحافي وقتها أن العاصمة التونسية ستحتضن في العاشر من أكتوبر / تشرين الأول 2012 قمة مغاربية هي الأولى بعد طول سبات لكن هذا السبات أبى إلا أن يتواصل.

عند قيام هذا الاتحاد كان هناك اتفاق ضمني على ألا تشكل قضية الصحراء المزمنة بين الجزائر والمغرب والقائمة منذ 1975 حجر عثرة أمام عمل الاتحاد وتقوية العلاقات بين أعضائه. وضعت هذه القضية على الرف عساها تجد المسار الملائم للحل دوليا دون أن يجري إقحامها ضمن جدول عمل الاتحاد فتصيبه بالشلل. كان ذلك تفاهما جيدا لكنه لم يستطع الوقوف على رجليه فهذه القضية التي تسمم العلاقة بين الجزائر والرباط ما كان يمكن تجاوزها بهذه السهولة ولهذا أدى الفتور بين البلدين واحيانا التوتر إلى إصابة الاتحاد بالعدوى فما استطاع أن يقوى أو يتجاوز.

عجز هذا الاتحاد الذي أحيل سريعا إلى التقاعد حتى على ضمان الحد الأدنى من المكاسب لمواطني دوله كالسفر بالبطاقة الشخصية أو إلغاء التأشيرات أو تطوير خط السكك الحديد الرابط بينها، وعوض أن تكون المناطق الحدودية بين الدول المغاربية الخمس مناطق تنمية وتكامل تحولت إلى مناطق حذر وريبة خاصة مع بروز شبكات إرهابية وتشعب ارتباطاتها في ظل الوضع الأمني الرخو في ليبيا وتعقد المشهد الأمني في المناطق الجبلية الحدودية بين تونس والجزائر.

وعلى عكس مجلس التعاون الخليجي الذي استطاع أكثر من مرة أن يجتمع قادته أو ممثلوهم رغم الأزمات وأعقدها بالتأكيد الأخيرة بعد حصار قطر من قبل ثلاث دول من نفس المجلس، فإن قادة دول اتحاد المغربي لم يفلحوا حتى في هذه. الأرجح هنا أن المسألة ذات علاقة بالفرق التاريخي في الأمزجة الشعبية السائدة بين المنطقتين. في كثير من المناسبات، تتدخل سياسة «تبويس اللحى» أو تقدير بعض القادة لأكبرهم «العود»، في حين تغيب هذه الثقافة في المغرب العربي حيث يسود منطق الأبيض أو الأسود ببعض الحدية والتطرف في كثير من الأحيان مما عطل أي إمكانية لــ «تدوير الزوايا» والبحث عن تسويات وسط.

قبل أسابيع قليلة، احتفلت «ساقية سيدي يوسف» التونسية على الحدود مع الجزائر بالذكرى الــ61 لغارة شنها الطيران الفرنسي عليها بسبب وقوفها مع الثوار الجزائريين ومنحها الملاذ لهم فسقط الكثير من المدنيين، من بينهم أطفال في مدرستهم. وبهذه المناسبة، أعلن عن مد أنابيب الغاز الطبيعي إلى البيوت التونسية من داخل التراب الجزائري.

أكثر من ستين عاما للقيام بخطوة عملية بسيطة كهذه، إذن كم سيستغرق هذا التكامل الاقتصادي الذي يبشر به البعض في البيانات ليس أكثر؟!!