الأحلام الضائعة ومحركات المستقبل بعد وباء كورونا

لمن سيكون المستقبل بعد الوباء، الذي من المتوقع أن يترك تغييرات عميقة على حياة الناس؟ يحلم كثيرون بأن يمشي العالم على هواهم بعد أن ينحسر الوباء. لكن الحقيقة هي أن المستقبل سيكون لمن يعمل أكثر من أجل حلمه. الذين يحلمون بعالم ملئه العدالة والتسامح، سيرون حلمهم يتحقق، إذا عملوا من أجله أكثر من الذين يحلمون بعالم يحكمونه بقبصتهم ويعتصرون رحيقه لأنفسهم. لكن المستقبل لن تقرره الأحلام وحدها، وإنما ستقرره أيضا محركات للتغيير، من المرجح أن تلعب دورا أكبر في مصلحة من يدرك طبيعتها ويفهم قوانينها.

في زمن ما بعد كورونا، ستكون التكنولوجيا هي محرك التغيير، وسيلعب الصراع الاجتماعي دورا أقل أهمية. لقد مرّ تاريخ البشرية بمراحل متعددة، كان من آخرها تلك التي كان محركها الأساسي هو الصراع بين الإنسان والإنسان من أجل الحرية والعدالة. ويبدو إننا الآن بصدد مرحلة عنوانها التعاون بين الإنسان والإنسان والطبيعة، بعد أن أفرط الإنسان في تدمير الطبيعة. كذلك فإن الأساس الاجتماعي لتقسيم العمل الدولي يختلف الآن عما كان سابقا. عمليات الإنتاج خرجت فعلا من ثوبها القومي، ليتم تقسيم العمل الدولي على أسس التنافسية والإنتاجية، بصرف النظر عن النظام السياسي. ليس مهما أن تكون في بنغلاديش أو كوريا الجنوبية، أو في الولايات المتحدة أو الصين، لكن المهم أن تجد جزءا من عملك متجسدا في سلعة واحدة تباع في كل هذه الدول، سواء أكانت قطعة من الملابس، أو جهاز كمبيوتر، أو آلة طباعة ثلاثية الأبعاد، بصرف النظر عن النظام السياسي الذي تعيش فيه. إن تقسيم العمل الدولي داخل سلاسل صنع القيمة والإمدادات، يختلف كثيرا عن تقسيم العمل الدولي، الذي ساد خلال القرون الثلاثة الأخيرة من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين.

انتقام الطبيعة

وعلى الرغم من أن الإنسان في سعيه لتحقيق المزيد من الإشباع والرفاهية، منذ أيام ابن خلدون وآدم سميث، يعلم أن حاجاته غير المحدودة، تتناقض مع موارد الطبيعة المحدودة (ظاهرة الندرة)، فإنه أسرف في إهدار هذه الموارد، إلى الحد الذي بات فيه هذا الإسراف خطرا يهدد الوجود البشري نفسه. وكانت النتيجة هي أن البشرية بدأت تتعرض لصدمات بيئية وكوارث طبيعية، من حرائق وفيضانات وجفاف وتغيرات في المناخ، تهدد التوازن الحيوي للمخلوقات المتنوعة التي تعيش على الأرض، إلى جانب انتشار غير مسبوق للإصابات الفيروسية للإنسان والحيوان والنبات. هذا التناقض المتزايد بين التطلعات غير المحدودة للإنسان، والموارد المحدوده للطبيعة، أمكن التغلب عليه نسبيا بتنظيم أرشد لكيفية إشباع الحاجات، وابتكار علوم ومعارف جديدة تساعد على تعظيم إنتاجية موارد البيئة، بدون التسبب في إنهاكها. وتمثل الطاقة مثالا واضحا في هذا السياق؛ فالعالم الآن يستهلك كميات أقل من الطاقة، لإنتاج كميات أكبر من السلع. العالم يحرق فحما أو نفطا أو غازا أقل، لإنتاج كميات أكبر من الكهرباء، وتشغيل آلات أكثر، وتسيير أعداد أكبر من المركبات ووسائل النقل. كذلك يستخدم الإنسان الآن كميات أقل من المواد الخام لإنتاج السلعة نفسها مقارنة بالسابق، كما ابتكر مواد جديدة ذات خصائص صناعية متفوقة تقاوم الظروف المناخية القاسية، والتقادم والصدأ والكسر وما إلى ذلك.

هذا التطور في علاقة الإنسان بالطبيعة، الذي يقوم على أساس المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، يفتح الطريق لعلاقة جديدة بينهما تقوم على أساس التعاون، وليس الصراع والتدمير، لكن هذا التعاون لن يحدث طوعا في كل الأحوال، بل إنه يحتاج إلى أطر قانونية ومؤسسية، تضمن قيامه واستمراره في مواجهة رغبات شيطانية لدى من يعتقدون أن طريق تحقيق التنمية لا يمكن أن يتجنب تدمير البيئة. المثال الواضح على ذلك هو سياسة تخريب غابات الأمازون في البرازيل، التي يقودها الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، ويؤيده فيها رئيس الولايات المتحدة، الذي سحب بلاده من اتفاقية الأمم المتحدة المناخ.

التداعيات قصيرة الأجل

عندما ينحسر وباء كورونا عن العالم، سينقشع الغبار الذي أثاره، مخلفا وراءه عددا من الأضرار القصيرة الأجل، التي سيتعين على العالم أن يتعامل معها بسرعة. أخطر هذه الأضرار هي البطالة الواسعة التي انتشرت من الصين إلى الولايات المتحدة. لكن تحقيق النجاح في التعامل مع تداعيات الوباء، سيتفاوت من دولة إلى دولة، من حيث السرعة والتكلفة، حسب مستوى سلامة وتقدم الهياكل المعرفية والاقتصادية والسياسية والإدارية؛ فالدول التي تعاني من تشوهات في هذه الهياكل منذ ما قبل الوباء ستتأخر عن غيرها، بل إن بعضها من التي تعاني من تشوهات حادة، قد يتحول الوباء فيها إلى داء متوطن لعدد من السنين. ولم تخطئ منظمة الصحة العالمية في تشخيص ذلك خصوصا في افريقيا.
وفي قياس النجاح في العودة إلى الحياة العادية، يتقدم مؤشر النمو الاقتصادي على ما عداه. فمكافحة فيروس كورونا أدت إلى انكماش الاقتصاد في كل دول العالم تقريبا خلال الربع الاول من العام الحالي، ومن المرجح أن يمتد أثر ذلك، ولكن بمعدلات أقل في الربع الثاني. لكن معظم التوقعات، وبافتراض عدم حدوث موجة ثانية من الوباء، تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيبدأ التعافي في النصف الثاني من العام. بعض الدول ستنهض بقوة وتحقق عودة سريعة للنمو، تتمثل بيانيا بشكل حرف V وهو ما يعني العودة لمعدات النمو السابقة بسرعة، والانطلاق أبعد منها. لكن بعض الدول قد يجد صعوبة في تحقيق ذلك، ويسير بمعدلات نمو منخفضة وبطيئة، متأثرا بأحمال سياسات مكافحة الوباء، ويتخذ منحنى النمو شكل الحرف L الذي وإن كان يعني توقف التدهور، فإنه لا يعني النمو.

محركات البيئة والعولمة والعدالة

بعد ذلك فإن المسارات المحتملة في المستقبل، ستقررها ثلاثة محركات رئيسية، المحرك الأول هو السعي لتحقيق توازن بيئي، وعلاقة صحية بين الإنسان والبيئة. وقد بدأنا بالفعل نشهد خططا عملاقة على نطاق واسع، خصوصا في أوروبا واليابان والصين، للانتقال من نمط النمو المدمر للبيئة، إلى نمط النمو الصديق للبيئة، الذي يطلق عليه مصطلحيا (النمو الأخضر، أو green growth). ولن تكون الطاقة فقط هي الميدان الوحيد للصراع من أجل تحقيق التوازن البيئي، وإن كانت واحدا من أهم مجالات النمو. وسوف يشمل النمو الصديق للبيئة كافة مجالات الإنتاج، إضافة إلى ميول المستهلكين.
المحرك الثاني هو السعي لتحقيق مستويات أعلى من الرفاهية على المستوى العالمي، من خلال نظام للعولمة يضمن التكافؤ بين شركاء العمل. لقد كشفت أزمة وباء كورونا عن خلل واضح في تقسيم العمل الدولي، من خلال سلاسل إنتاج القيمة والإمدادات وشبكات المعلومات والاتصالات، وهو ما يتعين العمل على إصلاحه. وسوف تجد البشرية نفسها في مواجهة تيارين كبيرين في هذا الخصوص؛ الأول سيحاول استغلال هذا الخلل في طعن نظام العولمة، والعودة إلى النظم القومية في الإنتاج والسياسات الحمائية، وتقييد حرية الانتقال للأفراد والسلع. أما التيار الثاني فهو ذلك الذي يدرك أن إصلاح نظام العولمة هو الطريق السليم لاستمراره. وسوف تلعب التغييرات التكنولوجية السريعة في ميادين تطوير الإنتاج والخدمات والاتصالات بوسائل التشغيل عن بعد، والاستغلال الاقتصادي للفضاء دورا قائدا في إعادة تشكيل العولمة، وتطوير أطرها وتوسيع نطاقها.

كذلك فإن عملية إصلاح نظام العولمة، تتطلب في الوقت نفسه إجراء عمليتين تاريخيتين متوازيتين، الأولى هي إعادة توطين الصناعة وسلاسل القيمة، وشبكات الإمدادات والتبادل على المستوى العالمي، بما يسمح بقدر أكبر من التنوع والتوازن داخلها، خصوصا بعد أن أظهرت أزمة كورونا خطورة الإفراط في الاعتماد على الصين، التي تبادر حاليا بنقل بعض صناعاتها إلى دول مجاورة مثل، الفلبين وباكستان وفيتنام، إضافة للدخول في شراكات إنتاجية عميقة في أوروبا مع بلدان مثل إيطاليا واليونان. العملية الثانية هي إعادة بناء مؤسسات النظام العالمي بما يعكس الحقائق الموجودة في الواقع، بعد أن تخلفت وراء التطورات المتلاحقة التي وقعت في العالم في العقود الأخيرة.

المحرك الثالث، الذي سيلعب دورا مهما في صياغة مستقبل البشرية يتعلق بالسعي لتحقيق توازن اجتماعي داخل المجتمعات وعلى مستوى العالم، من خلال التكافؤ في الفرص بين من يملكون الثروة، ومن يملكون المعرفة، ومن يسهمون بقوة العمل والاستهلاك. هذا السعي لتحقيق التوازن الاجتماعي يمثل صورة الصراع المترتب على زيادة معدل تركز الثروة، والتفاوت الحاد بين معدل نمو الإيرادات الرأسمالية ومعدل نمو دخل العمل. وسيلعب هذا المحرك دورا جوهريا في تغيير، أو إصلاح منظومة العلاقات الاجتماعية الناتجة عن التقسيم التقني للعمل، على مستوى البلد الواحد وعلى مستوى العالم ككل.
ولا تفرض هذه المحركات مسارات حتمية للمستقبل، لكنها ستفتح موضوعات للصراع بين قوى مختلفة ذات أهداف متضاربة، وسيكون الانتصار من نصيب القوي الأكثر إدراكا لطبيعة المستقبل، والأكثر وضوحا في أهدافها، والأقدر على تحقيق هذه الأهداف. المستقبل لن يكون لحلمك إلا اذا عملت بقوة من أجل تحقيقه في السياق التاريخي الصحيح.

Almassae