الامتيازات قبل العقيدة: بنكيران إلى التقاعد السياسي المبكر..

بين من اعتبره “ممارسة ريعية تستهدف التدجين ونزع المصداقية بطريقة استباقية”، ومن يجده “قرارا ينطوي على شحنة إنسانية لا علاقة لها بالرمزية السياسية”، شكل الكشف عن حصول رئيس الوزراء المغربي السابق عبد الإله بنكيران على تقاعد استثنائي بمبلغ قدرته التسريبات بتسعة آلاف دولار عن فترة رئاسته للحكومة، التي لم تدم أكثر من ولاية من خمس سنوات، فرصة جديدة للعودة إلى ماضي الرجل، بما يكشف عن “ازدواجية في الممارسة والخطاب” تفشت في صفوف حزب العدالة والتنمية، بأجنحته الدعوية و”النضالية” وكذا تيار “الاستوزار”. خلاصة القول إن شعار المرحلة صار: الامتيازات قبل النضال والنضال قبل العقيدة.

فلاش باك…

في السنة الأولى لولاية حكومة عبد الرحمان اليوسفي، في إطار ما سمي وقتها بحكومة التناوب التوافقي التي اختار حزب العدالة والتنمية المساندة النقدية لها، ما دام مستبعدا من المشاركة الفعلية في صفوفها، انبرى سعد الدين العثماني، رئيس الوزراء الحالي، لطرح السؤال على الحكومة مستنكرا المبالغ الطائلة التي تصرف كمعاشات للوزراء السابقين، قبل أن يعقب عبد الإله بنكيران، رئيس الوزراء السابق، على رد الحكومة مذكرا أنه “من الناحية المبدئية، نحن دولة إسلامية ومبادئ الإسلام تنبني على أن أول من يجب أن تهتم بهم الدولة هم الفقراء والمحتاجون”.

اقرأ أيضا: معاش البرلمان.. هل يهدم تحالف الأغلبية الحكومية بالمغرب؟

ولتأكيد كلامه، ذكر بنكيران بمقولة سيدنا عمر بن الخطاب “غرغري أو لا تغرغري فلن تذوقي لا سَمْنا ولا زيتا، حتى يشبع فقراء المسلمين”.

وأضاف بنكيران أن “الاهتمام بالسادة الوزراء السابقين أمر جيد. لكن الاهتمام بعموم المواطنين الذين لا يملكون شيئا أولى؛ لأن الوزراء السابقين في الغالب يتدبرون أمورهم، ومنهم أناس شرفاء لا يرضون بمد أيديهم، ونأسف كثيرا عندما نسمع أن وزراء آخرين يجمدون أنشطتهم الاقتصادية للاستفادة من هذا المعاش، لأجل ذلك فالقضية مبدئية بالدرجة الأولى”.

عودة إلى الزمن الحاضر..

عندما سرب بعض المقربين من عبد الإله بنكيران قبل أسابيع خبر زيارة له قام بها المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، اعتقد كثيرون أن الأمر متعلق بصفقة سياسية يتم التحضير لها، وهو ما هلل له بعض من منتسبي الحزب، وسط صمت المعني بالأمر عن إعادة الأمور لنصابها.

قبل أيام فقط كشفت مواقع إخبارية أن الزيارة لم تتجاوز حمل رسالة لرئيس الوزراء السابق، تحمل في طياتها استفادته من التقاعد الوزاري بشكل استثنائي، وبأمر من الملك محمد السادس دون المرور بالضوابط القانونية المؤطرة للموضوع. بعد تسريب الخبر لم يجد بنكيران غير التحجج بـ “الضائقة المالية” التي يمر منها منذ مغادرته المنصب الوزاري، وهو الذي اختار التنازل عن مقعده البرلماني ممثلا للشعب.

لم يرض الرجل بطلب المعاش لأن “كرامته لا تسمح”، لكنه رضي بالمقابل بالمعاش نفسه الذي يضاف لسيارة فارهة، قال إنها خارج ممتلكات الدولة المغربية باعتبارها هدية شخصية من الملك، والهدية في الإسلام لا ترد.

الإصرار على اللعب على الحبلين انتهى بازدواجية في الخطاب والممارسة، تفضحها التسريبات يوما عن يوم، ويدفع الحزب ثمنا لها من رصيده الذي بناه على مدار عقود

لم يستحضر رئيس الوزراء السابق ما سبق له التحدث عنه من ضرورة الالتفاء للفئات الضعيفة، فهي الأولى بالرعاية والعناية وكذا الإحسان. حجة الرجل أضعف من أن تحجب شمس الحقيقة فاستنجد بالملك لعل النابشين في الموضوع “يوقرونه” وبعبد الرحمن اليوسفي المستفيد من المعاش ذاته، لما له من تقدير واحترام. الغريب أن بعض منتسبي الحزب رفعوا السقف عاليا قبل سنة، حين دشن الملك شارعا يحمل اسم الرجل بمدينة طنجة، فانبرى بعضهم يقول إن “طموح بنكيران وطموحنا معه أكبر من حجرة في شارع”، رافعين الرجل وقتها لمقام “الأولياء الصالحين”.

ليست حادثة المعاش الاستثنائي، وهو حق للوزراء مؤطر بظهير ملكي، إلا واحدة من سلسلة حوادث تناسلت في الفترة الأخيرة تظهر استفحال ازدواجية الخطاب والممارسة لدى حزب العدالة والتنمية بعد انتقال أصواته المؤثرة من الخطاب الشعبوي، لزوم المعارضة واستمالة أصوات الناخبين، إلى الممارسة السياسية من موقع المشاركة في تدبير الشأن العام، وما يستتبعها من ترق اجتماعي وامتيازات ريعية جبلت السلطة على تقديمها لخدامها الأوفياء.

آمنة ماء العينين، وهي ممثلة للحزب في كثير من المؤسسات النيابية والاستشارية، وجدت نفسها في أتون قصة اختلط الديني فيها بالسياسي و”الفضائحي”. كان الرد الأول تكذيبا لصحة الصور المنسوبة إليها قبل أن يتبين عكس ما ذهبت إليه نائبة رئيس البرلمان المغربي. فكان الاستنجاد برمزية عبد الإله بنكيران في منشور انتهى إلى أن النضال سيستمر بالحجاب أو دونه، وأن المعركة محاولة لكسر عظام “امرأة” ليس إلا.

بنكيران اعتبر الموضوع كله شأنا بين النائبة وربها قبل أن ينتهي إلى حديث عن “تطور” في الفهم و”مراجعة” لقناعات تكرست عبر عقود. اللحية والحجاب، حسب بنكيران، أمر تم التضخيم فيه، و”حان وقت المراجعة بالتدريج، فنحن الآن حزب سياسي وكل شيء يقدر بقدره”.

محاولات تهريب النقاش إلى ساحة الحريات الفردية والقناعات الشخصية دليل إفلاس. الحكاية ببساطة مندرجة في خانة الازدواجية التي تمنع صاحبها أو صاحبتها من الإعلان عن قناعاته لارتباطها بمستقبله السياسي. فـ”عدة الشغل” تقتضي الإبقاء على الزي “الإسلامي” بالمغرب والتحرر منه بباريس كما تحرر، وزير الشغل المنتمي للحزب نفسه، من القناعات نفسها، وهو يتجول بجادة الشانزيليزي مع فتاة بدعوى مشروع زواج. هو الوزير ذاته الذي حول “القمار” إلى مسابقات في المعادلات الرياضية، لا يتفوق فيها غير الأذكياء بعد تسرب خبر فوز أحد أبنائه بخمسين ألف دولار.

الدفاع عن آمنة ماء العينين كلف عبد الإله بنكيران الاعتذار لـ”آمنة” أخرى هي أمينة خباب، المصورة بالقناة الثانية المغربية، التي نالها من صراخه ما نالها ذات جلسة برلمانية حضرتها بسروال جينز وقميص. كان ذاك قبل ثمانية عشر سنة، حيث ثار بنكيران في وجه الصحفية وطالب بإخراجها من قاعة الأسئلة الشفوية، والسبب: لباسها. اليوم يعتبر بنكيران أن “ثورته” لم تكن عتابا للصحفية على لباسها، بل مطالبة مشروعة بتطبيق الضوابط المتعلقة باللباس داخل المؤسسة التشريعية.

كان طبيعيا أن يحدث الانتقال من المعارضة إلى الكراسي الوتيرة للتدبير العام من الجماعات الترابية إلى العمادات، فالوزارت رجة في جزء من قناعات القادة والأتباع في حزب العدالة والتنمية، الذي اعتمد كثيرا على خطاب دعوي ديني لتأكيد هويته وترسيخها لدى المنتخبين، دون قدرة على تطوير خطاب واقعي يفصل السياسي عن الدعوي.

لكن الإصرار على اللعب على الحبلين انتهى بازدواجية في الخطاب والممارسة، تفضحها التسريبات يوما عن يوم، ويدفع الحزب ثمنا لها من رصيده الذي بناه على مدار عقود. لكن الواضح أن المستفيدين من التجربة التي أوصلت الحزب لمناصب المسؤولية، وهي على وشك الانتهاء لا ريب، غير مكترثين لا بحفظ التراث ولا بصيانة الرصيد الاعتباري. الزمن زمن الامتيازات قبل النضال والعقيدة، والأدلة لدى الجهات المالكة الحصرية لحقوق التسريبات لا تنتظر غير الضوء الأخضر لكشفها على العموم.