البصيرة العمياء: عنصرية في الأفلام الأمريكية المناهضة للعنصرية!

هل يقدّس الأمريكيون المرحاض؟
 
عرفتنا صحيفة “عربي21” الغرّاء، والغرّاء؛ البيضاء (لأني أكتب فيها)، ببعض الأفلام التي تناولت العنصرية ضد السود، تحت عنوان: أفلام تناولت العنصرية ضد “السود” في أمريكا، وزادها مشكوراً رئيس تحريرها على صفحته الغرّاء أيضاً، فعرّفنا بأفلام أخرى. ولم أجدْ في القائمتين فيلم “ماندينغو”، وهو فيلم شهير تحوّل بطله إلى رمز جنسي في فئة الأفلام الإباحية، ومتاجر البضائع الجنسية، وصار بطل الفيلم سلعة جنسية شائعة.
 
واستمتعتُ بفيلم “دجانغو الحر”، الذي يروي قصة حب وكفاح ضد العنصرية، وانتهى نهاية شديدة الاحتفالية بالأناشيد والانفجارات، ما كان يستحقها، حتى خشيت أن يتحول الفيلم إلى فانتازيا مهرجانية مغشوشة. ومن الغريب أنه يصنّف أحياناً في نوع وفئة أفلام الكاوبوي، ففيه خيول ومسدسات على الخصر.
 
الجنس بين فيلم “ماندينغو” وفيلم “اخرج”
 
فوجئت بفيلم اخرج (Get Out)، وبقوة رموزه، ودلالاته وتأويله، وهو يصنف أحياناً بين أفلام الرعب التي أتجنبها تخففاً من الكوابيس، التي أراها في نشرة الأخبار اليومية. وقد شجعتني تزكية رئيس التحرير للقائمة فشاهدته. وقد لاقى الفيلم نجاحاً في شباك التذاكر، وحصّل إيرادات ضخمة، وصُنّف فيلماً من أهم أفلام سنة 2017. وهو فيلم شجاع وحكيم، وذكي أيضاً، من إخراج جوردان بيل.
 
ويقصّ الفيلم قصة شاب أفريقي أمريكي يقوم بزيارة عائلة حبيبته البيضاء في عزبة أهلها، فيكتشف أن العزبة ثقب أسود ومصيدة بلعت عدداً كبيراً من السّود في ظروف غامضة. ويروي الفيلم طرفاً حديثاً من استعباد السّود الذكي، والجديد الذي يعتبر امتداداً للقديم الذي كان يسرق الأفارقة من القارة السمراء ليعملوا في الحقول والأراضي المحتلة.
 
وكان الرجل الأبيض يغتصب النساء الأفريقيات المخطوفات من القارة السمراء، ويستولد سوداً جدداً من أرحامهن فيبقون من غير آباء. وكان الرجل الأبيض يغيّر أديانهم من غير السماح لهم بالاستمتاع والاستفادة من الدين الجديد. وكان الأسود أتقى من الأبيض لشدة حاجته، والفقراء أتقى من الأغنياء غالباً.
 
وكانت الزوجة البيضاء قد استخدمت مستعبدها الأسود وسيلة جنسية للانتقام من زوجها الأبيض الخؤون في فيلم “ماندينغو”. هي بيضاء من الرتبة الثانية في الداروينية الأمريكية. وكان مصير ماندينغو الذي أجبرته زوجة سيده البيضاء على مضاجعتها السلق.
 
أما في فيلم “اخرج” فإن الاستغلال الجنسي قد بلغ رتبة جديدة، ونرى في الفيلم أسرة ريفية بيضاء تجند ابنتها الجميلة لصيد الشباب السود، فتحضرهم إلى العزبة، وتقوم الأسرة بسرقة أعضائهم وحيواتهم وتدسها في جسوم الأسرة الساعية للخلود واللذة، فنرى بيضاً في جلود السّود، فهو استنساخ للبيض في أجساد السود القوية.
 
ويمكن تأويل رموز الفيلم تأويلاً بعيداً، فالعيون التي ينوي الطبيب الجراح في الأسرة البيضاء سرقتها من الشاب العاشق للصبية البيضاء هو الإعلام، ووسائل الميديا التي يسرقون بها عقولنا، أما فلاش الخلوي الذي يوقظ الضحايا السود من سكرتهم ونومهم المغناطيسي فهو نور الهدى، وهو رمز شديد التوفيق. وتأويل التنويم المغناطيسي بتذويب السكر في الشاي، هو الإعلام الأمريكي المحلّى بالصور والبطولات الكاذبة. ونرى في غرفة الأسر الشاب الأسود مقيداً، ويخضع إلى غسيل دماغ بالتلفزيون.
 
فيلم” الكتاب الأخضر” وفيلم “المساعدة”
 
سنجد وشيجة مشتركة بين فيلمين، هما فيلم “الكتاب الأخضر” وفيلم “المساعدة”، الذي يروي مذكرات المستعبدات السود وآلامهن التي لا تخلو من بارقات مضحكة في بيوت البيض الصارمة العنصرية المترعة بالأسى، وهي أن البيض يعصرون السود عصراً، وأن السود بعبوديتهم يضحون مرتين؛ مرة بالتخلي عن أولادهم السود طوال النهار، ومرة بفقدان أولادهم البيض بالتربية والرعاية بخطأ بسيط مثل ارتياد مرحاض البيض. فالبيض يحرّمون على خدمهم السود استعمال مراحيضهم.
 
ويذكّرني المرحاض الأمريكي المقدّس بقول للمفكر المصري اللامع عبد الوهاب المسيري، الذي وجد بعد تجربته الأمريكية الطويلة في أمريكا أن الامريكي يقدّس أمعاءه أكثر من أجهزته التناسلية، ودليل ذلك أنه يصيب حبيبته في القطار والشارع جهراً، بينما يستتر في أثناء قضاء حاجته!
 
ونجد المرحاض ماثلاً في فيلم الكتاب الأخضر أكثر من البيانو، وهو فيلم سيرة ذاتية، يروي قصة موسيقار أسود بارع يستدعى إلى حفلات البيض، فيصفقون له، ويعجبون بمهارته في العزف، لكنهم يمنعونه من الأكل على موائدهم ويحرمونه من دخول مراحيضهم، فيضطر لتكبّره على بني قومه أن يستأجر سيارة ويقصد الفندق من أجل قضاء حاجته ثم يعود إلى الحفل!
 
ستجد السيدة ميني في فيلم المساعدة طريقة للانتقام من سيدتها البيضاء، بدسّ فضلاتها في كعكة لذيذة أعدّتْها بعناية ولؤم، لكن انتقام الشتيمة الأمريكي (والأمريكي شتّام) لا يرد حقاً، بدليل استمرار العنصرية. وقد قالت العرب قديماً: أشبعتهم شتماً وأودوا بالأبل، وهو أدنى من ردّ الحقوق، التي ما تزال منهوبة، وإن كان في الشتم بعض التعزية.
 
الأسود المبيض بين “الكتاب الأخضر” وبين “دجانغو”
 
سنجد في فيلمين ظهور سود استطاعوا بمواهبهم وجدّهم واجتهادهم بلوغ رتبة البيض، من غير أن يصيروا بيضاً باللون، الفيلمان هما دجانغو وفيلم الكتاب الأخضر.
 
ويروي الفيلم الثاني قصة الموسيقار شارلي الذي ينسلخ من جلده ويتعالى على أبناء جلدته السود وعلى الفقراء البيض، والخادم الخبيث ستفنسن في فيلم دجانغو، مدبر الشؤون المنزلية، الذي يجلس مع الأبيض الند للند، ويخلص له أكثر من البيض، دفاعاً عن موقعه في المنزل، وهرباً من أعمال الحقل الخشنة.
 
ويمكن القول إن البيض كانوا حريصين على تفوقهم الأبيض، فقد ولّوا أسود، وهو أوباما، رئاسة البيت الأبيض، واستغلوا موهبته في الخطابة السياسية. ولأوباما صورة شهيرة وهو يرفع قدميه على طاولة البيت الأبيض، إنها ليست سوى رشوة للسود، تروي من ظمأ وتطعم من جوع، فأوباما لم يغير شيئاً في حياة السود الأمريكان طوال مدة حكمه التي بلغت ثمانية أعوام، ومن المنتظر أن يغير فلويد في حيواتهم أكثر مما غيّر الرئيس الكيني. لقد كان أوباما يظن نفسه ذكياً، ولم يكن سوى برغي في الإدارة الأمريكية البيضاء الداروينية.
 
عسل أسود في البيت الأبيض
 
مثال الموسيقار شارلي في فيلم الكتاب الأخضر، ومثال أوباما يذكّران بالنجوم السود الذين يتولون بطولات أفلام جميلة، لكن الأمريكي لا يقبل بطولة في الحياة، ويرفض مساواته به في الشارع والمطعم وفي الحياة، وقد اكتشف محمد علي كلاي هذا مبكراً بعد نيله جائزة من الملاكمة، وذهب إلى مطعم البيض فطردوه.
 
العنصرية الأمريكية أصلية، هي غريزة أساسية، والغرض من بعض بطولات السود في السينما وحلبات المصارعة هو الربح والفوز، وقد نرى قريباً كيف سيباع فلويد سلعة في سوق السياسية.
 
وكان يهوذا قد باع السيد المسيح بثلاثين من الفضة، ولا أتوقع أن يعي السود بمكر البيض، فالدارونية عقيدة أمريكية، والأفريقي الأمريكي تشرّب عقائد الأمريكان، ولن تقنعنا ذرائع فيلم الجانب الأعمى الواهية في استغلال موهبة الصبي مايك الكبير في لعبة كرة القدم.
 
المخ والعضلات والفضلات
 
المرحاض المحرم على السود يعني الحصار، ويعني الأسر، فمرحاض السود بعيد عادة، وصغير، واللقمة مغمّسة بالعرق والدم في أمريكا الداروينية، وإخراج اللقمة بعد هضمها محنة. ويمكن أن نتذكر أن جانب البصيرة في فيلم الجانب الأعمى مخاتل، فالأبيض ينزّه نفسه ويبرئها عن المنفعة بتبني صبي أسود معروف بغريزته الدفاعية وتحويله إلى بطل كرة قدم أمريكية، الأسود غالباً عضل والأبيض عقل. فيلم “حر في الليل” استثناء.
 
تنقذ أسرة آن مايك المشرّد من الشارع والمخدرات والسرقة والتشرد، لكنه الأسود الوحيد في الفيلم الذي ينجو، فأقرانه في الحي الأمريكي الأسود، فاسدون، شتّامون، بذيئون.
 
الكاتبة البيضاء كيستر في فليم المساعدة تقوم باستثمار قصص السود في الوصول إلى النجاح، وهي بيضاء أدنى من رتبة البيض الآخرين، بسبب قلة إقبال الرجال عليها. لا يوجد شيء لله، فلكل شيء ثمن، إنه الجانب الأعمى.
 
في فيلم المساعدة تصحو أم المؤلفة كيستر من صلفها بعد موت خادمتها السوداء كمداً إثر طردها، لا بأس ببعض الندم بعد موت الضحية.
 
Almassae