الثورات العربيّة.. هل حقّا لم يتغيّر شيء؟!

يجادل كثيرون بأنّ ما آلت إليه الثورات العربية، أسوأ مما كان عليه الحال قبلها، وهذا الجدل يقف على أرضيّة هذه الثورات نفسها، بمعنى أنّ أصحابه ممن يتّخذون موقفا جذريّا من الأنظمة القائمة والأوضاع السائدة، وممّن ساهموا بشكل أو بآخر، وبقدر ما، في تلك الثورات، فالتساؤل منهم يختلف (ولو تطابق في الصيغة) عن تساؤل غيرهم ممن يتّخذ موقفا معاديّا لتلك الثورات، ومواليّا للأنظمة القائمة والأوضاع السائدة.

ممّا لا ينبغي أن نجادل فيه أنّ الثورات العربية لم تَخلِق أنظمة جديدة بعد، ولا أوضاعا مختلفة بالكليّة، هذا فضلا عن هزيمتها الواضحة، كما في مصر أو سوريا، وكما هو جارٍ حتّى اللحظة، وأنّ النظام القديم، المستمرّ إلى حدّ ما، أكثر توحّشا، وأنّ مصادرة الحرّيّات غير مسبوقة شكلا وحجما. وفي غمرة ذلك يتبلور مشروع لتصفية القضية الفلسطينية، تشترك فيه دول عربيّة مركزيّة تكاد تفعل ذلك علنا وبلا مواربة. وقد أفضى ذلك إلى حالة من الحيرة عصفت بكل أصحاب التجربة، وبكل من انضمّ إلى جهود التغيير والإصلاح قبل الثورات وأثناءها، فاتسعت دوائر الاكتئاب والعدميّة، والإحساس بالهزيمة والعجز واللاجدوى، وسقط كثيرون في الفتنة.

 

والحال هذه، فإنّ تعاظم الآلام هو المتوقع لا ريب، فالثورات قامت على الأنظمة التي تملك كلّ أسباب القوّة، وهذه الأسباب قد وجدت بدورها أسبابَها لتنفجر في وجه الثائرين على أصحابها، كما أنّ هذه الأنظمة ليست وحيدة منعزلة، وإنما هي جزء من منظومات تتصاعد إقليميّا فدوليّا. فكلّ نظام لَبِنة في بناء أكبر، والمنطق المعتمد في هذا البناء منذ تشييده أنّ كل تغيير فيه ينبغي أن يكون منه، لا من خارجه، فوجدت هذه الثورات نفسها في النهاية في وجه العالم كلّه، حتّى في وجه من يرفع شعار الثورة وأسّس لشرعيته ووجوده عليها.

لم يكن ممكنا أبدا هزيمة هذا البنيان كلّه، ولا حتّى وحدة من وحداته، بالضربة القاضية. وما كان له أن يقبل ذلك، بل لا ينبغي أن يُتوقع سوى أنْ يُظهر كلّ ممكنات البطش في وجه الخارجين عليه، ثمّ يصبّها عليهم صبّا. وقد كانت الخطيئة الكبرى هي التعامل برومانسية حالمة معه، والتصوّر بإمكانية أن تردعه أخلاقية مفترضة فيه، غير موجودة فيه أصلا، أمّا عقلانيّته فهي غير عقلانية الثائرين عليه، ولو كان فيه حدّ أدنى من الأخلاقية المفترضة، وعقلانية الصالح العامّ، لما وصل العرب إلى ما وصلوه من التردّي والاهتراء في أوضاعهم العامّة والخاصّة!

وفي كل الأحوال، هذه ثورات الضعفاء في وجه الأقوياء، وهم أقوياء العالم كلّه، العالم ببعديه الجغرافي والتاريخي، تلتحم فيه الجغرافيا التي على عرضها شيّدوا صروحهم، ويحضر التاريخ الذي بنوا في طوله مجدهم، فكيف لا تجتمع قبضاتهم على عظام المسحوقين؟! والحاصل أنّ الآلام كان لا بد منها، وتفنُّن هذا العالم في وجوه التوحّش حتميّة لا مناص منها، وأنّ هذا التفنن يُراد منه إظهار التجدّد للنظام نفسه، وتثبيت المكانة، وبالتالي بثّ اليأس، ونفي إمكانية التغيير، فضلا عن تنويع أدوات القهر والطغيان.

 

كان لا بد منها، وتفنُّن هذا العالم في وجوه التوحّش حتميّة لا مناص منها، وأنّ هذا التفنن يُراد منه إظهار التجدّد للنظام نفسه، وتثبيت المكانة، وبالتالي بثّ اليأس، ونفي إمكانية التغيير

فهل مجرد هذه الآلام، وزيادة العالم في توحّشه، يعنيان أنّه لا جديد في بلادنا والمنطقة والعالم؟! وعلى ذكر التوحّش، ما الذي يدفع هذه الأنظمة الراهنة لتزيد من توحّشها عمّا كانت عليه قبل الثورات العربية، حتّى بات بعضها يسعى لتأميم حتّى الأنفاس، وبعضها يحاسب على الصمت؟! هل هذا دلالة قوّة وانتصار راسخ، أمّ أنّه يخفي ضعفا واهتزازا، هو الذي جمع تلك الأنظمة للاتفاق على المستضعفين؟!

نحن اليوم نتحدث عن حركة جارفة، من بعد سكون مميت امتدّ لعقود طويلة، وعن تحوّل واضح في وعي الجماهير العربيّة وفي خطابها تجاه الدولة ومؤسّساتها يحلّ ولو بالتدريج؛ مكان جهل مطبق كان يتّسم بالعبوديّة لتلك الدولة ومؤسّساتها، وعن زعامات تبدّلت وبنى تهدّمت حتّى وإن لم يستبدل بها بعد ما هو خير منها، وعن افتقار النظام القديم للاستقرار، وفشله في بعض معاركه،ومراوحته في مكانه في بعضها الآخر، وتزايد أزماته، وعن أنّ هذا العالم الذي يجتمع على المستضعفين هو في الوقت نفسه متنافر متدابر متباغض، وترتفع فيه أسباب الانقسام والتمزّق أكثر من أي وقت مضى، وكأنّ هذه الثورات جاءت على قدر لتأخذ دورها في قلب تحوّلات عالميّة، لا عربيّة فحسب، وعن ثورات كلما خبت انبجست في مكان آخر، بلون متجدّد، تُغذّي بعضها بعضا، وتتجاوز البلاد العربيّة إلى غيرها، في حين تلتقط بعض القوى الداعمة للثورات العربية أنفاسها، وإن بضعف واستحياء.

هذا كلّه تَغيُر وعميق، بيد أنّه لم يضع عصاه بعد، ولم يرسُ على برّ، والفرق واسع بين قولنا أنّه لا تغيّر في عالمنا، وبين القول إننا نتألم، وأنّ هذا العالم يزداد توحّشا.