الحكم على الزفزافي لمعاقبة الربيع العربي

قد يكون يوم الثامن والعشرين من  أكتوبر عام 2016، والذي وافق قتل بائع السمك محسن فكري وطحنه في سيارة القمامة، التاريخ الحاسم في المغرب، لكنه في النهاية شرارة أوقدت نار الاحتجاجات على التهميش الذي يعيشه أهل الحسيمة بالمغرب، والذي وجد تعاطفا من المهمشين في باقي المدن المغربية. وقد نشط في هذه الاحتجاجات شاب عادي يدعى ناصر الزفزافي، دفعته إلى ذلك الغيرة على بلده ورفضه الفساد وسيطرة ثلة من المقربين على مقادير البلاد وأرزاق العباد، في بلد يوجه استثمارات في أفريقيا ويهاجر شبابه عبر البحر لأوروبا؛ معرضين أرواحهم للموت غرقا من أجل حياة قد تصبح يوما ما كريمة.

قبض على الزفزافي في ماي 2017 بتهمة التحريض، بعد أن قاطع إمام مسجد في خطبة الجمعة معترضا على خطابه عن الرخاء الذي لا يراه الشعب، وهو ما جعل من الزفزافي محرضا ومجرما في حق الحكومة. ووقتها قال وزير الشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، إن الزفزافي متهم بإهانة خطيب المسجد وإثارة البلبلة، وقد يعاقب على هذه التهم بستة أشهر سجنا، لكن تلك الستة أشهر تحولت إلى عشرين سنة سجن.

لم تكن احتجاجات الحسيمة، ولا احتجاجات المغرب ككل منذ 2011، إلا زهرة من بستان الربيع العربي الذي لم يذبل كما يحاول البعض قتله. فالمغرب تأثر بلا شك بما حدث في تونس ومصر وسوريا وليبيا، كما تأثر الأردن بما تأثر به المغرب، ومن قبله عمان والسعودية وحراك الكويت، إلا أن المتأثرين لم يسعفهم الوقت للتغيير، أما الفاعلين فكانت لهم خطة أخرى للقضاء على حراكهم.

الحكم القاسي على ناصر الزفزافي هو حلقة في سلسلة تأديب الشعوب حتى لا تتجرأ مرة أخرى على حكامها.. الحكم على ناصر الزفزافي صدر من نفس القاضي الذي حكم على أحمد دومة وعصام سلطان وعلاء عبد الفتاح ومحمد البلتاجي، وغيرهم الكثير.

وما حدث في مصر حدث في تونس لكن بشكل ناعم، كما أن منهج تأديب الثوار وإقصائهم ظهر بشكل خشن في سوريا وليبيا في شكل إبادة جماعية لهذا الجيل الذي ثار. فالغرب الذي نصب وكلاءه بعد حركات التحرر الشعبي في خمسينيات القرن الماضي، اكتشف أنه أصبح لزاما عليه أن يغير الدواء وطريقة معالجة هذه الشعوب. فالوكلاء خفت قبضتهم على شعوبهم، والتغييب الذي مارسوه على الشعوب منذ خروجهم من مستعمراتهم القديمة قد أفاقت منه الشعوب، وأصبحت الشعوب نابهة تعرف عدوها وتعرف حيله، ومن ثم تريد أن تتحرر من قيود هذا المستعمر ووكلائه، فكان الربيع العربي، شاء الغرب ووكلاؤه أم أبوا، فشعوب ما قبل 2011 لم تعد هي التي عاشت الحرية بعد ثورات الربيع العربي، هذه الشعوب أصبحت راغبة بالتضحية التي طالما سمعت عنها ولم تمارسه، في سبيل وطن حر بحق، حر من كل طامع، غادر، سارق مغيب، عميل. إن طليعة هذه الشعوب ينقصها تنظيم جهودها والدفع بشكل كبير إلى إفاقة شعوب صُدم قلبها بصدمة ثورات الربيع العربي، فأعيدت إلى الحياة بعد موت طويل، وما على تلك النخب، وأقصد هنا النخب الثورية الشابة التي لم تتلوث ولم تنشأ على ثقافة الهزيمة، إلا أن تتواصل وتنظم عملها ولا تستغرق في التنظير في سبيل عمل ثوري شعبي مقسم جهوده بين التوعية والحراك، من أجل خلاص تلك الأمة التي تستحق أن تقود هذا العالم بمبادئها وأخلاقها التي عرف العالم فيه العدل والسلام حين حكمت.