الطباق والجناس في السياسة

يُنسب إلى ماركس هذا القول: “إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل مهزلة”. وهو رأي لا بأس به، يصلح لحوار في فيلم سينمائي فلسفي، ولو أننا لا نوافق على قوله إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، ونعارضه مرتين؛ مرة لأنه يعامل التاريخ كإله عاقل، فهو الفاعل والمفعول به! ومرة لأنَّ التاريخ لا يعود مرتين، بل يعود مرات مثل عقرب الساعة الذي يمر بمنازل الأرقام وموانئ المواعيد، فهو في فلك يسبح بين براثن المأساة وضواحك الملهاة.

“سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا”، والسنن الكونية ثابتة، والسنن تتوالى وتعود، فإن نكصنا عنها وقعنا في مهالك المأساة، وإن أفرطنا فيها رقينا إلى مدارج الملهاة، والمأساة والملهاة تتجاوران. هما توأم.

الشاعر الإنكليزي بيرون يصنف المأساة والملهاة حسب المصائر: الملهاة تنتهي بالزواج، المأساة تنتهي بالموت. ويمكن القول أيضاً: إن نصف الكأس الفارغ من الماء مأساة، ونصف الكأس الملآن بالماء ملهاة، إلا إذا كان ماء آسناً أو مسموماً. وهكذا يمكن تصنيف سد النهضة ملهاة لشعبها، وتمثال نهضة مصر مأساة لشعبها! هل سنترك أثيوبيا تغنم لحم الملهاة وترمي لنا بعظام المأساة!

النظام العربي كان يصنف حال البلد الدرامية هكذا: البلد خراب مأساة، لكن الرئيس بخير فهي ملهاة.

 

كانت مصر دوماً قادرة على الضحك والإضحاك حتى في أشد عهودها إظلاماً وظلماً، وهو عهد فرعون الذي قال: لا أريكم إلا ما أرى، وقال فرعونها المشير: اطمئنوا تماماً أنا ضيعتكوا قبل كده حتى أضعيكوا دلوقت، فضعنا، ويشهد بشخصية مصر الثابتة في جمع الضحك والبكاء في عصمة واحدة شعر المتنبي الذي رحل إلى مصر فقال بيته الشهير:

وَكم ذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ       وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكاء

فجمع المأساة والملهاة معاً تحت سقف واحد في بيت من الشعر، ونراهما في مواضع أخرى كثيرة، مثل قوله:

إذا رأيتَ نيوبَ اللَّيث بارزةً             فلا تظنَّنَّ أنَّ اللَّيثَ يبتسمُ

والسيسي كثيراً ما يذكر الأسد في حديثه، فالأسد لا يأكل أولاده كما يزعم، بينما تقول علوم الحيوان أنه يأكلهم أحياناً حتى يشرّد اللبوة عن أشبالها إليه، والإنسان عموماً، يرجو تثبيت التاريخ وتجميده عند الملهاة، والرئيس العربي، الأسد مثلاً، شرّد الشعب، فازداد حب اللبوات له.

ملهاة الدكتاتور هي مأساة الشعب

ومن المشاهد الشهيرة المضحكة، مشهد بفيلم مدافن مفروشة للإيجار لعلي عبد الخالق، يمثل بطولته محمود ياسين ونجلاء فتحي، تضطر أسرة البطل إلى السكن في المقابر، فتمر جنازة بعرس، فيقول صاحب الجنازة لصاحب العرس “ألف مبروك يا عريس، فيرد عليه، البقية في حياتكو”!

قال جمال حمدان الباحث المعروف الذي اغتالته إسرائيل: إنَّ حزب النكتة هو حزب مصر المعارض الوحيد، وهو قول لطيف لا يخلو من الصحة، لكن من أسف أن النكتة لا تسقط حكومة، ولا تصنع مظاهرة، ولا تحقق عدلاً، ولا تنصف مظلوماً، بل من مساوئها أنها تقوم بتفريغ الغضب وتهدره، وإن كان لها بعض العزاء والسلوى، لذلك ازدهرت النكتة المصرية التي يبدو أنها تردّت مع عهد عندليب الدقي، الذي قسم الدراما هكذا: المأساة للشعب والملهاة للنظام، فصارت المأساة (وهي ملهاة)، مرسوماً جمهورياً، مع بعض الأدوار الهامشية لمبروك عطية وبقية شيوخ الأزهر، أما عادل إمام فقد شاخ، وتغيرت الأحوال، فانقضى عهد السينما وظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وشاخت يسرا أيضاً، وماتت رجاء الجداوي، وكادت أن تصير شهيدة وخنساء العصر، لأنها ثبتت على زوج واحد رحمها الله على غير عادة الفنانين والفنانات، فكبرت كثيراً في أعين الناس وحمدوا لها ذلك.

ونجد طباق المأساة والملهاة وجناسهما في آيات قرآنية كثيرة، “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ”، “إنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ”..

في أشعار عربية كثيرة، منها أشعار أبي العلاء المعري:

إنّ حزناً في ساعة الموت           أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد

وأبي البقاء الرندي:

هِيَ الأمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ     مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ

وفي قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح، ظاهر القصص يقول إنها مأساة وحزينة لكن مآلاتها سعيدة: فلمّا انطلقا إلى شاطئ البحر، وركبا في سفينة لغلمان رفضوا أخذ الأجر منهما، خرَقها الخضر، فتعجّب موسى ـ عليه السلام ـ، وتساءل عن ذلك مُستنكِراً، ثمّ وجدا ـ بعد نزولهما من السفينة ـ صبيّاً، فقتله العبد الصالح فأنكر موسى عليه ذلك، فذكَّرَه العبد الصالح بعدم قدرته على الصبر، ثمّ انطلقا إلى أن وصلا قريةً رفضَ أهلُها تقديمَ الطعام لهما، فوجد الخضر جداراً مُتهالِكاً فيها، فأصلحَه، فتعجّب موسى ـ عليه السلام ـ من فِعله، وسأله عن سبب عدم أخذ الأجرة على بنائه.

وعشنا لحظات مأساوية في تونس، ونحن نرى حسناء الثورة المضادة عبير موسي وهي تجوب ردهات مجلس الشعب، وتعتصم فيه مع حزب الدستوري الحر، أصغر أحزاب البرلمان، وكادت كوميديا عبير أن تنقلب تراجيديا، لكن الله سلّم، وقد نجا الشيخ الغنوشي من سمكة القرش هذه المرة في هذا البحر المتلاطم.

المأساة السورية لا تنافسها سوى مأساة اليمن، وإن كان وباء الملهاة يضرب العواصم العربية، فأنصار الملهاة، وهم غالباً من اليسار والعلمانية العربية، وهم مسرورون بما يفعله محمد بن سلمان ببلاد الحرمين ويغضون الطرف عن جرائمه، فهو يقوم بتحرير المرأة بالقوة، أو أنه يحاول أن يصرف أنظارنا عن المدنس الأوروبي بإهدار المقدس الإسلامي، ويصرّف النظام السوري مأساة الشعب السوري على شكل ملهاة في التلفزيون، فقد حققت الحرب بزعمه التجانس، ومن الملاهي الكبرى أن بن زايد قد غزا كوكب المريخ بعد أن أفسد كوكب الأرض!

 

المأساة السورية لا تنافسها سوى مأساة اليمن، وإن كان وباء الملهاة يضرب العواصم العربية، فأنصار الملهاة، وهم غالباً من اليسار والعلمانية العربية، وهم مسرورون بما يفعله محمد بن سلمان ببلاد الحرمين ويغضون الطرف عن جرائمه،

خرج رئيس مصر بعد صمت، وحذّر الشعب المصري من الكلام في سد النهضة، وأشار إلى أن النيل من حق الشعب الأثيوبي، وكأن الرجل ينوي تحرير مصر من شعبها، فقد رد الجزيرتين إلى السعودية (حسب وصيّة أمه)، وردّ النيل إلى أثيوبيا (ربما حسب وصية خالته)، ويُخشى من إعادة سيناء إلى إسرائيل (حسب وصية عمته)، فقد كلم موسى ربه من سيناء! ونعلم جميعاً أن موسى كان من بني إسرائيل!

وأضيع أحيانا في تشخيص الخبر هل هو حزين فأبكي أم سعيد فأضحك. فقد اختلط علي شبح المأساة بطيف الملهاة، واستوت عندي الأنوار والظلم.

قبل سنوات كنا نعترف بالحالة لكنه تبدل من حجمها ومقايسها فنقول عن الهزيمة نكسة، لكن تحسن حالنا وبتنا نقلب الأمور قلبا تاما، من غير أن يرف لنا جفن.

وكانوا يسمون هذه الحالة بالكوميديا السوداء، ويمكن تسميتها بالتراجيديا البيضاء.

Almassae