العالم العربي: الثورة مستمرة

على كامل مساحة الجغرافية العربية تشتعل الثورات، بعضها يجري التعبير عنها باندفاع ومواجهات ساخنة، فيما تحاول ثورات أخرى الطرق على جدران السلطة، بالاحتجاجات المطلبية والاعتراضات، وفي أمكنة أخرى يغلي الجمر تحت قشرة رماد منتظراً فرصة التحوّل إلى نار حارقة.

وفي جميع الحالات، لا تعترف نخب الحكم في البلاد العربية بالديناميكيات الجديدة المولدة لهذه الحراكات، والتي أنتجتها متغيرات طبيعية تراكمت على مدى عقود، فيما لا تزال نخب السلطة غافية على وهم أنها تمتلك القدرة والسلطة على قمع أي حراك صادر عن مجتمعات مفحوصة بعناية وتم تسجيل بياناتها بدقة، وما دام الأمر كذلك فمن أين ستأتي الثورات؟

والتفسير الأرجح، أن جل البيانات التي تملكها السلطات العربية عن محكوميها هي بيانات قديمة، وأنه لم يجر تحديثها نظراً لتغير المعطيات والظروف، أو أن منهجيتها التبويبية خاطئة، بحيث أن مخبر السلطات استنسخ بيانات قديمة على وقائع جديدة، ونتج عن ذلك قراءة خاطئة لواقع الحال واستجابات غير مناسبة.

كثير منا ينتابه الضحك عندما يسمع التفسير الرسمي العربي للثورات الحاصلة، وهو لا يخرج دائما عن ذريعتين؛ ليس من المصادفة أنهما تكررتا مع أكثر من 12 ثورة وحراك في العالم العربي في السنوات التالية لعام 2011، وهما أن ما يحصل هو مؤامرة تقوم بها أطراف خارجية بأدوات داخلية بهدف إسقاط النظام أو تدمير البلد أو الانتقام من الشعب، أو أن بعض الشعب مغرّر به ولا يدري أنه ينفذ أجندات خارجية.

والمشكلة، أن الكثير من النخب المثقفة في بلادنا، ومن كافة الاختصاصات، وبعضهم يصنف نفسه في الجانب المناقض للسلطات الحاكمة، تتبنى هذه التفسيرات بإيمان عميق، رغم ما تنطوي عليه من انحيازات أيديولوجية علنية، وأهداف غرضية لا تخفي نفسها، بغية الحفاظ على البنى السلطوية التقليدية في العالم العربي في مواجهة قوى الرفض والتمرد الطالعة.

فلم يعد خافياً أن ما يجري في العالم العربي هو صراع بين نخب استقرت في السلطة على مدى عقود، وحكمت بذهنية متماسكة طوال هذا الزمن، رغم تغيير بعض الوجوه، وبين أجيال جديدة بتوجهات مختلفة وأفكار مغايرة.

وعلى مدار العقود السابقة، كانت تلك النخب تعتبر نفسها القوى الجديدة الطالعة، وأن شرعيتها تتأتى من هذه الميزة، بل إنها منحت نفسها حق إعادة هندسة المجتمعات التي تحكمها لتتكيف مع شعارات هذه النخب وأفكارها، والتي ارتبطت غالباً بقضايا أكبر من قدراتها وإمكانياتها، وهي قضايا في الغالب لا يمكن قياس درجات الإنجاز والتقدم فيها، مثل محاربة الإمبريالية، والتصدي للصهيونية، وتحرير فلسطين، ورغم التغيرات الهائلة الجارية على المستويات الفكرية والاقتصادية والسياسية العالمية، إلا أن هذه النخب لم تطوّر لا من ذهنيتها ولا من أساليبها في الحكم.

المميز في ثورات وحراكات الجيل الجديد، هو واقعيتها وابتعادها عن طرح شعارات كبرى. فهي لا تطرح سوى ما يخص يومياتها العادية وهمومها ومشاغلها الحياتية، حتى شعارات الحرية والكرامة لم يكن القصد منها البحث عن فخامة زائدة للحراكات العربية، بقدر ما هي متطلبات ضرورية من أجل الحصول على مجتمعات متوازنة ومنتجة ومتفاعلة مع الحضارة الإنسانية.

ترفض قوى الثورة الجديدة رؤية هالة القداسة التي تحيط بها النخب القديمة نفسها، فهي لا تراها سوى حالات كاريكاتورية تستدعي التندر والضحك، وأنه لم يعد يليق بها سوى المتاحف. أما الحكم والإدارة فهما صنعة لا يمكن لهذه الحالات استمرار الادعاء في قدرتها على ممارستهما، والوقائع تثبت ذلك، حتى الفساد يقع في إطار حالة السفاهة التي وصلت لها تلك النخب، لذا فإن الحجر عليها بات أمراً لازماً.

وحدهم الذين يرفضون محاكمة الواقع، لا يرون حجم التغيير الحاصل في مجتمعاتنا العربية، على جميع المستويات، وخاصة المستوى الثقافي الذي طالما ادعت الثورات المضادة أن المجتمعات العربية بحاجة لثورات ثقافية وتغييرات على مستوى العقل والتفكير، في حين أنه يثبت يوما بعد آخر أن هذه النخب باتت هي المعوق الأكبر أمام انطلاق مجتمعاتنا التي تملك مخزونات معرفية هائلة، بدليل أن بلادنا من أكبر الجهات المصدّرة للعقول، بعد أن حوّلت البيروقراطيات والديكتاتوريات العربية مؤسساتنا إلى مقابر للعقول والتفكير السليم.

في كل مكان من مساحة الجغرافية العربية ستكون هناك ثورات، باتت مجتمعاتنا تملك طاقات معرفية وإبداعية، لم يعد ممكناً حجزها وكبتها، في ظل نخب حكم سفيهة بكل معنى الكلمة، وليس معياراً تعطل ثورة هنا وعرقلة ثورة هناك، ستبقى الشعوب مصرّة على الطرق على جدران هذه السلطات حتى تتداعى وتسقط.