القانون الجنائي وسؤال الهوية المغربية؟

*

تقديم

إن القانون الجنائي يعبر عن ردود أفعال المجتمع والتي ينبذها ويضطرب آنذاك عند الخروج على نمط معين، فاستمرارية مجتمع ما قائمة على تنظيم نسقه وضبطه، ولن يتأتى ذلك إلا بتواجد قواعد زجرية تستجيب لمختلف متطلبات المجتمع وتعبر عنها بقوانين وتنفذها مؤسسات مختصة في تنظيم رد الفعل الاجتماعي وضمان الشرعية ولتجاوز حقبة العدالة الخاصة والفوضى.

فالقانون الجنائي له دلالات متعددة منها ما هو اجتماعي والآخر قانوني، فالأول يزكي دور المجتمع في خلق القواعد القانونية وبها يحميه من كل اضطراب ويضمن استمراره في ظل مناخ سليم، والثاني تعبير عن إرادة المشرع في الاستجابة للمجتمع وزجر كل فعل أو امتناع بمقتضى نص تشرعي يضفي الصفة الشرعية على الأساليب الزجرية في ظل الدولة السياسية الحديثة.

وتتميز الدول بقوانين جنائية خاصة تجرم مجموعة من الأفعال وتضمن بذلك قاعدة الشرعية الجنائية، التي يمكننا أن ننظر إليها من خلال زاويتين، إحداهما تتمثل في “الشرعية الموضوعية” أي لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، والأخرى تتجلى في “الشرعية الإجرائية” أي لا محاكمة بدون إجراءات ولا إجراء من غير قاعدة، ولا إجراء من غير أجهزة رسمية، فجل هذه القواعد السائدة في الأنظمة الحالية تمثل أسلوب الدولة في عقلنة شرعية العقاب إلا أن قواعدها قد تختلف من إقليم لآخر وهذا ما يميز المجتمعات عن بعضها البعض.

فالمغرب بدوره استجاب لمتخلف ردود أفعال المجتمع، حيث تجلى ذلك في صدور القانون الجنائي عام 1962م، والذي حقق طفرة نوعية في حقبة زمنية معينة، وتلته مجموعة من التعديلات وصدور القوانين الخاصة، وبعض المحاولات التي تهم مواكبة التطور الحاصل في الجريمة، هذا بالموازاة مع احترام الشرعة الدولية بناء على الدور الهام الذي يلعبه المغرب من خلال دبلوماسيته الرشيدة في غضون عقود من الزمن.

فمن خلال دراستنا هذه سنعمل على تحديد العلاقة الوظيفية للقانون الجنائي والهوية، ونأخذ نموذج المغرب بحضاراته وتاريخه العريق الذي خلف قيماً وثقافة وكان له أثر على مجتمعات أخرى، فمعيار تحديد هوية مجتمع ما تجعلنا نستنبط القواعد الزجرية التي تعبر عن هذا الكيان المجتمعي، ومدى تأثير خصوصيته في صناعة القواعد القانونية. الأمر الذي يجهلنا نتساءل عن تجليات الهوية المغربية في القانون الجنائي؟

وهو ما يتطلب منا التعريف بالحضارة المغربية ابتداءً، ثم البحث عن أنماط التجريم التي يتبناها المشرع الجنائي المغربي، ومدى حمايته للهوية التي هي نتاج هذه الحضارة العريقة.

المحور الأول: الحضارات المغربية ودورها في صناعة الهوية

لقد عرف المغرب تعاقب عدة حضارات تبين ذلك من خلال المواقع الأثرية والاكتشافات التي تذل على طرق العيش آنذاك وتحيل على نهج الحضارة وثقافتها، الأمر الذي يدعونا إلى التدرج ابتداءً من فترة ما قبل التاريخ، التي تميزت بتعاقب حضارة العصر الحجري القديم ثم الأوسط وكذا الأعلى وصولا للعصر الحجري الحديث وعصر المعادن. وبعدها ظهرت فترة العصر الكلاسيكي الذي ضم كل من الفترة الفينيقية والبونيقية والموريتانية ثم الرومانية.

وبعد ذلك ظهرت حضارات إسلامية حديثة وعريقة ساهمت بشكل كبير على تكوين الهوية المغربية الحالية، انطلاقاً من الدولة الإدريسية حيث استغرق الفتح نصف قرن من ¬{646م إلى 710م}، وظهرت أول دولة إسلامية سمية بدولة الأدارسة عام 788م لمؤسسها مولاي ادريس ابن عبد الله. لتظهر بعد ذلك دولة المرابطين في القرن السادس عشر ميلادي، حيث استطاع عبد الله بن ياسين وهو أحد المصلحين الدينيين أن يوحد هذه القبيلة وينظمها وفق مبادئ دينية متخذاً اسم المرابطين لحركته، وبهذا استطاع المرابطون إلى فرض أنفسهم كقوة فاعلة وتمكنوا من إنشاء دولته وعاصمتها مراكش التي تم تأسيسها عام 1069م وفي هذه الفترة بسط المرابطون سلطتهم على مجمل شمال إفريقيا وكذا الأندلس عام 1086م.

وفي بداية القرن 12م تعاظم بالمغرب شأن المصلح الديني والثأر السياسي المهدي بن تومرت، وسمى أتباعه بالموحدين للإطاحة بدولة المرابطين، وتحت قيادة عبد المؤمن بن علي استطاع الموحدون من السيطرة على المغرب الأقصى كله بحلول عام 1147م ليتمكن من بسط نفوذه على شمال إفريقيا كلها والأندلس مؤسسا أكبر إمبراطورية بغرب المتوسط. ليظهر بعد ذلك المرينيون بالتخوم الشرقية بالمغرب، ليشكلوا قوة عسكرية وسياسية مكنتهم من الإطاحة بدولة الموحدين عام 1269م، ولم يستطيعوا خلال فترة حكمهم الحفاظ على الإرث الكبير الذي خلفه الموحدون الأمر الذي خلف انقسام المغرب إلى مملكتين {مملكة فاس ومراكش}، وسقوط مجموعة من المدن في يد المحتل الإيبيري كسبتة والقصر الصغير وأصيلا وطنجة ومليلية.

ثم انطلقت حركة السعديين من جنوب المغرب “مناطق درعة” وتجلى ذلك في مقاومة المحتل الإيبيري للمدن الساحلية، وأضحوا قوة عسكرية وسياسية تمكنت من فرض نفسها، الأمر الذي ساعد في بروز دولة السعديين، وحينها كان للسعديين انتصار على البرتغال في معركة “واد المخازن” عام 1578م. وبعدها خلف السعديون نزاع سياسي دام 60 عاماً انقسم أثناءها المغرب الأقصى إلى كيانات سياسية جهوية ذات طابع ديني، وانطلاقا من عام 1664م ظهر الشريف مولاي رشيد بتافيلالت وانطلق في حملة عسكرية هدفها توحيد البلاد وتأسيس سلطة مركزية قوية، وقد استمر عهد السلطان المولى إسماعيل 50 عاما ليتمكن خلالها من بناء نظام سياسي للدولة. لتتوالى السلاطين العلويين على الحكم في مواجهة أزمات متعددة كان أبرزها فرض الحماية الفرنسية على المغرب عام 1912، ليستعيد المغرب استقلاله بعد تضحيات العرش والشعب عام 1956م.

وبهذا نكون عرضنا لأهم المحطات التي ساهمت في بناء الهوية المغربية، مع إبراز ولو بشكل مقتضب مختلف الحقب التاريخية والحضارية للأمة المغربية، وبسط كيانها اللامادي المتمثل في الثقافة والفن والسياسة الرشيدة للسلاطين والقيم الخالصة المتجذرة في الذاكرة. وهذه الأخيرة ساهمت في بناء العقل المغربي سواء نظرنا إليه من زاوية الفكر الفردي أو الجمعي. فالثقافة نتاج إنساني، فكري، نظري وعلمي، وهي البيئة التي أنشأها الإنسان من المنتجات المادية وغير المادية التي تنتقل من جيل لآخر.

والقيم الاجتماعية في جوهرها تمثل أحد الأركان الأساسية لثقافة المجتمع والتي تشير إلى مجموعة المعتقدات والأحكام والمبادئ التي يتمثلها ويلتزم بها الانسان، والتي تتكون من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية وُتفصح عن نفسها من حيث الاهتمامات والسلوك العمَلي أو اللفظي. فموضوع دراستها يثير جدلية مفادها تساؤل حول الهوية المغربية في مثن القانون الجنائي، وكان من اللازم سرد مسار الحضارات المتعاقبة وإعطائها حيزاً من الكتابة لتقريب صورة الهوية كمفهوم ونتاج الذاكرة المغربية التي تظل ملازمة لهذا الكيان المغربي في مختلف مناحي الحياة، والتي لها وقع على جل المجالات والإستراتيجيات وقومية هذه الأمة العريقة.

وما يحدث في عالمنا اليوم نجد أنه يمر بمرحلة جديدة، وهي مرحلة ما بعد الحداثة، التي من أبرز معالمها ظاهرة العولمة، وما رافقها من تطور هائل في المجال المعرفي والمعلوماتي، حيث أصبحنا نتحدث اليوم عن عولمة القيم وحتى مجالات أخرى كان للعولة تأثير عليها كظاهرة عولة القانون. على الرغم من تأثير الحضارات وصدامها بواسطة التطور الحاصل والقرية الكونية التي أضحت نتاج التكنولوجيا ووسائل الاتصال، مما يترك أثر في حضارتنا المغربية، وتكون هناك مدخلات على القيم من خلال تأثير مجتمعات أخرى وحضارات أخرى بطبيعة تنوعها، حيث يصعب اليوم ضبط تلك المدخلات من القيم مما يحتاج رؤية متبصرة لتحقيق هذا الضبط. فالإنسان المغربي نتيجة تفاعلات مضت وتركت أثر بليغاً وهي السبب الأساس وراء بناء عقله وسلوكه داخل المجتمع بخصوصياته وصفاته التي ينفرد بها عن غيره من المجتمعات، الأمر الذي يدعو إلى استجابة مختلف الفاعلون في الحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي لهذا الكيان وتنظيم سلوكه والدفاع عن قيمه السائدة والثوابت المتفق عنها. إذ أن القوانين بدورها تميزت بخصوصية المجتمع بوصفه قوة مؤثرة في صناعة القواعد القانونية بمختلف المجالات، وهذا ما يتبين من خلال نهج المشرع المغربي في الوصول إلى الهندسة التشريعية الملائمة لضبط النسق الطبيعي لهذا المجتمع وحمايته من الاضطراب.

فإذا تمكنا من التدرج في الحديث حول ماهية الحضارات المتعاقبة وتحديد مكونات الكيان المغربي باقتضاب، والدور الهام للفاعلين في مختلف الميادين لبلورة الجانب اللامادي “الهوية” إلى سياسات واقعية تساهم في ضبط إيقاع النسق الاجتماعي وحمايته من الاضطراب، فماهي أبرز تجليات ومظاهر الهوية المغربية في التشريع الجنائي المغربي؟

المحور الثاني: مظاهر الهوية المغربية في التشريع الجنائي المغربي

إن موضوع الهوية من الموضوعات الهامة والحساسة، لكونها تمس بثقافة المجتمع وحضارته، كما يمكن بواسطتها فهم المجتمع، وهذا ما أكسبه الأهمية البالغة بين مختلف العلوم السوسيولوجية والقانونية. حيث أن موضوع القيم يعد ضرورة على المستويين الفردي والاجتماعي، إذ أنه على مستوى الأفراد نجد المرء على اختلاف المراحل التي يمر بها، في حاجة ماسة في تعامله مع المواقف إلى نسق من القيم تعمل بمثابة موجهات لسلوكه، وبديهي أنه إذا غابت مثل هذه القيم الاجتماعية أو تضاربت فإنه يغترب عن ذاته وعن مجتمعه.

وإن أهم معطى يمكن الحديث عنه هو استجابة المشرع الجنائي في نصوصه للدفاع عن القيم الإسلامية المغربية، إذ نجده ينص في الفصل 267.5 على أنه “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أساء إلى الدين الإسلامي أو النظام الملكي أو حرض ضد الوحدة الترابية للمملكة…”، وترفع العقوبة إلى تأديبية إذا كانت الإساءة تلك ارتكبت بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن والتجمعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة البيع أو التوزيع أو بواسطة كل وسيلة تحقق شرط العلنية بما فيها الوسائل الالكترونية والورقية والسمعية والبصرية.

وبناءً على ذلك نجد المشرع حقق الملاءمة بين خصوصية المجتمع ونمط التشريع في هذه المرحلة، حيث أنه يجرم كل من يسيء إلى الدين الإسلامي بشتى الطرق المعبر عنها، وهذا معيار تزكية للقيم الإسلامية والدفاع عليها، وفي الوقت ذاته يساهم في كبح جماح الأفراد واطمئنانهم الروحي، فلا يمكن لغيور عن الدين الإسلامي أن يتدخل للدفاع عنه بمحض إرادته، لأن المشرع استجاب لرد فعله الاجتماعي، الأمر الذي يحقق الشعور بالعدالة لدى المواطنين المغاربة.

وكان هذا أبرز مثال عن تمثيل المشرع المغربي للقيم الإسلامية المغربية، ويحفظ بها خصوصية المجتمع ويتجنب الاضطراب الروحي للأفراد، بما يضمن الانسجام بين القانون والواقع، لأن القيم الإسلامية تجذرت بقرون وعبر تعاقب حضارات مضت. فالحفاظ على الهوية المغربية من أهم سمات ضمان الأمن القومي للوطن، وابعاده عن المؤثرات الأجنبية وفق مقاربة التعايش والانسجام مع مختلف الديانات.

خاتمة:
وفي مخرجات دراستنا حول موقع الهوية المغربية في التشريع الجنائي وبناءً على النموذج المعتمد في منهجنا التحليلي، يظهر أن بعض الجرائم التي اعتمدها المشرع المغربي متدخلا عند وجود الرضا وانعدامه، حيث وكما أشرنا أنه من المسلمات تدخل المشرع الجنائي لزجر كل فعل يلحق ضررا للأفراد في ذاتهم أو أموالهم بدون رضاهم، ولكن عند تواجد عنصر الرضا كالعلاقات الجنسية الرضائية نجد الدور المهم لخصوصية القيم المغربية في تقرير مصير القواعد الحامية للنمط الاجتماعي، فإذا كان أطراف الخصومة راضون عن أفعالهم إلا أن المجتمع لن يقبل هذه التصرفات، ويتدخل آنذاك المشرع ويجرم هذه الأفعال استجابة لرد الفعل الاجتماعي وضبط سلوكيات الجانحين.

وهنا يظهر الدور المحوي للهوية والقيم في صناعة القواعد الجنائية، فإذا اتسعت دائرة التجريم عند وجود رضا الأطراف نعلم يقينا أن المشرع يحفظ خصوصية المجتمع ويساهم بدوره في تحقيق الضبط القيمي له. فالقوة التأثيرية للهوية والقيم المجتمعية تمتد إلى مختلف القطاعات بما فيها المؤسسة التشريعية والقضائية والتنفيذية.

والمشرع في محاولته لتشكيل نمط تجريمي يلزمه تجسيد القيم وتقوية مركزها ودعمها بقوة القاعدة القانونية، فإذا ما قاربنا الموضوع من زاوية النموذج التنموي الجديد، نجده يكرس الدور الأساسي للقيم والثقافة المغربية في اعتماد مجمل الخطط والبرامج.
فالمجتمع المغربي له سمات وخصائص إذا لم نعتمد عليها ستكون المقاربة غير ملائمة، وهذا ما نجده من إشكالات في التشريعات وخصوصا الجنائي منها، فالقيم لم تأتي بالصدفة بل استقرت عبر عقود وقرون مضت، حيث تعاقبت الحضارات والثقافات والدين الإسلامي الذي خلف أثر في وجدان الأفراد داخل المجتمع.

فكما لاحظنا أن دائرة التجريم عند وجود الرضا تُميز المجتمعات عن بعضها، فكلها ارتفع منسوب التجريم وتدخل المشرع الجنائي رغم توافق إرادة الأفراد كان للقيم دور في هذا النهج التشريعي، حيث أن المشرع يجب أن يستحضر القيم كمكون من مكونات المجتمع، ويستجيب لردود أفعاله لحمايته من الاضطراب والخلل في النظام.

هذا بالموازاة مع المناهج التربوية والتعليمية، والسياسات العمومية في مختلف القطاعات التي يجب أن تستند لنظام القيم وخصوصية المجتمع المغربي ونتاج حضاراته وثقافاته، في البرامج والمشاريع التي يتخذها كل قطاع، مما يؤول لتنزيلها على واقع وبيئة سليمة، وتجاوز المعيقات وسبل التنزيل.

الأمر الذي يدعو إلى تجويد الترسانة التشريعية وبناء صرخ تشريعي يمثل حقيقة المجتمع المغربي، ويشعر آنذاك بالانتماء وتمثيلية المؤسسات، ويساهم ذلك في ارتفاع منسوب ثقة المواطن في المؤسسة، حيث أن معيار الهوية محدد لتوجهات المشرع. فكما هو معلوم أن المشرع ابن بار لبيئته وهذا هو الحل الملائم للخروج من تذبذبات الأنساق الاجتماعية.

*عزيز بنزيان، خريج ماستر العلوم الجنائية والأمنية
باحث في سلك الدكتوراة

Almassae