المغرب ولعنة المنظمات الدولية

يعيش المغرب هذه السنة على إيقاع توتر صامت مع عدد من المنظمات الدولية على مستويات عدة تختلف طبيعتها، لكنها تلتقي من حيث المخرجات المفترضة، وتشكل تحديات حقيقية أمام رهاناته الاستراتيجية.

يمكن أن نصنف دوائر التوتر إلى صنفين: دائرة التوتر التي تخص عدم حيادية بعض المنظمات الدولية في سلوكها وشكل تعاطيها ونوع المعايير التي تعتمدها لإضعاف موقع المغرب وثنيه عن بلوغ تطلعاته الاستراتيجية، ودائرة التوتر التي تخص أعطاب النموذج السياسي والتنموي المغربي التي تدفع عددا من المنظمات الدولية إلى إصدار تقارير حقوقية تستثمر الاختلالات الديمقراطية والحقوقية وترتب عليها بعض النتائج السياسية والدبلوماسية التي تصب في غير صالح المغرب.

في الدائرة الأولى، تتصدر نقاط التوتر سلوك منظمة الأمم المتحدة في نزاع الصحراء، وشكل تعاطي بعثة المينوسو مع التحركات العسكرية والمدنية لجبهة البوليساريو في المنطقة العازلة، فقد بادر المتحدث باسم الأمم المتحدة في هرد الأول على موقف المغرب إلى نفي وجود أي تحركات ذات طبيعة عسكرية في المنطقة العازلة، ثم ما لبث في رده الثاني، بعد أن قدم المغرب وثائق وإثباتات بصور ملتقطة عبر القمر الاصطناعي، أن استدرك الأمر وتذرع بشساعة المنطقة وعدم قدرة البعثة على مراقبتها بشكل كامل، مما يفيد في حده الأقصى عدم تكذيب الرواية المغربية دون تحمل مسؤولية إيقاف هذا الخرق الذي يمكن أن يفضي إلى ضرب المحددات التفاوضية التي تم الاتفاق عليها لإدارة ملف النزاع أمميا.

المثال الثاني، ضمن الدائرة نفسها، يتمثل في موقف الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” من الملف المغربي لتنظيم مونديال 2026، إذ لجأ قبل نحو 48 ساعة من انتهاء المهلة الرسمية لتقديم ملف الترشيح إلى إصدار مذكرة جديدة نصت على معايير جديدة لم تكن متضمنة في المتطلبات التي بعثت بها “الفيفا”بداية. رد الاتحاد الدولي للكرة على رسالة المغرب الاحتجاجية، كان التفافيا، إذ نحا منحى الطمأنة العامة دون الإجابة عن موضوع الاحتجاج، والذي يخص تغيير المعايير لخلق عوائق تقنية أمام الملف المغربي والانحياز المطلق للملف الأمريكي.

وعلى نسق رد المغرب على منظمة الأمم المتحدة في موضوع الصحراء، اتجهت الجامعة المغربية لكرة القدم إلى توجيه رسالة ثانية مفصلة إلى “الفيفا” تضع النقاط على الحروف بشأن التفافيتها بخصوص تغيير المعايير وخروجها عن قاعدة الحياد في هذا الموضوع.

مخرجات التوتر في المثالين السابقين، تصب في خانة واحدة، فالأمم المتحدة التي تتابع سياسة المغرب اتجاه إفريقيا، وتوجهه الفعلي نحو تغيير نموذجه التنموي في الأقاليم الجنوبية، وتحويل هذه المنطقة إلى جسر عبور استراتيجي نحو إفريقيا وممر التجارات الدولية.

في ظل ترهل النظام الجزائري وعدم قدرته على تدبير أزماته الداخلية، تدرك أن مقترح المغرب للحكم الذاتي سيكون الخيار الوحيد المطروح على الطاولة، ولذلك، يظهر من سلوك بعثتها في الصحراء ” المينورسو” في المنطقة العازلة الخروج عن قاعدة الحياد بهدف منع حصوص إخلال في موازين القوى لصالح المغرب.

ولذلك تتذرع بعدم علمها بوجود تحركات عسكرية أو بشساعة المنطقة لتبرير تقاعسها عن القيام بدورها. كما أن الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو يتابع حجم الدعم الذي لقيه ملف المغرب، يدرك أن حصول المغرب على شرف تنظيم المونديال سيكون له عوائد اقتصادية وتجارية وأيضا سياسية لفائدة المغرب، على النحو الذي يزيد من تعميق اختلال موازين القوى في المنطقة لصالحه، ولذلك، لا يجد أفضل من صياغة لغة التفافية لعرقلة ملف المغرب ومنعه من تحقيق رهاناته المشروعة.

في الدائرة الثانية من نقاط التوتر مع المنظمات، تبدو الأمور مختلفة، يفسرها العامل الذاتي المرتبط باختلالات في النموذج الديمقراطي والحقوقي والتنموي المغربي، والذي أتاح الفرصة لعدد من المنظمات الدولية إلى استثمارها لإضعاف الموقف المغربي وعرقلة رهاناته الاستراتيجية.

من ذلك موقف منظمة العفو الدولية من الاعتقالات التي طالت ناشطي حراك الريف. فقد رسمت المنظمة في تقريرها لسنة 2017 صورة قاتمة عن وضعية الحقوق والحريات بالمغرب وانتقدت بشكل قاس سياسة الحكومة في تعاطيها مع الاحتجاجات الاجتماعية في مناطق متعددة، ودعت بدل محاولة إسكات الأصوات المعارضة إلى الوقوف على أسباب الاحتجاج معتبرة أن الهجوم على حرية التعبير وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

كما كان لنفس المنظمة انتقادات شديدة لشكل تعاطي المغرب مع حراك جرادة، إذ طالبت السلطات المغربية بالكف عن الاستخدام المفرط للقوة لترهيب المحتجين السلميين داعية إلى احترام حرية التظاهر السلمي وتهدئة الوضع المتوتر وعدم تأجيجه والبث عن أجوبة للوضعية الاقتصادية الصعبة التي أخرجت هؤلاء المتظاهرين.

منظمة “فريدوم هاوس” بدورها أصدرت السنة الماضية (2017)تقريرا قاسيا حول وضعية حرية التعبير في المغرب، مؤكدة وجود تراجع كبير “لحرية التعبير على الانترنت”، وتحدثت عن “قمع للصحفيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء تغطيتهم للاحتجاجات”، مسجلة “استعمال المغرب لوسائل دقيقة للحد من المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي تنتهك حقوق المستخدمين”.

الحكومة المغربية تتفاعل مع هذه التقارير، وترد عليها وتنتقد منهجيتها ومهنيتها وموضوعيتها ونزاهتها. لكن جهودها في التدليل على تطور وضعية حقوق الإنسان مؤسساتيا وتشريعيا فضلا عن التفاعل مع آليات المنظومة الحقوقية الدولية لا يمكن أن يغطي على الاختلالات الحقوقية، ولا يمكن أن يمنع هذه المنظمات أو غيرها ممن يستفيد من تقاريرها أن ترتب الآثار السياسية والدبوماسية لإضعاف الموقف المغربي.

والواقع، أن الدخول في مناطق الاحتكاك مع المنظمات الدولية لا يؤشر دائما على علامات غير صحية في مسار الدول والشعوب، فمن الطبيعي لبلد – مثل المغرب – يسعى إلى تلبية طموحه في التحول لدولة في طريق الصعود، أن يتوقع حصول توتر مع هذه المنظمات، ويجهز خيارات تدبيرها والجواب عنها.

وقد أدار المغرب المعركة باقتدار مع الأمم المتحدة على خلفية تحركات البوليساريو في المنطقة العازلة، ولم يكشف عن وثائقه وأدلته، إلى أن سقط الناطق الرسمي للأمم المتحدة في المحظور في رده ألأول، ليضطر بعد ذلك إلىالاستدراك أمام قوة الموقف المغربي وحراكه الدبلوماسي النشيط في الموضوع فضلا عن سياسة ضبط النفس التي منعته من التحرك العسكري حتى يقيم الحجة على عدالة موقفه.

لكن، إذا كان هذا هو الحال في شكل تعاطي المغرب مع الدائرة الأولى من التوتر، فإن أسلوبه في التعاطي مع الدائرة الثانية يبقى محكوما بلغة الانفعال وعدم القدرة على الإقناع، إذ غالبا ما تكون وقائع الاختلالات الحقوقية عنيدة، لا تنفع معها “الفنيات المنهجية” في الرد على التقارير ولا منع الجهات التي تحاول استثمارها لترتيب النتائج الدبلوماسية والسياسية عليها.

ولذلك، من الصعب على المغرب، مهما كانت كفاءة مؤسساته الحقوقية، وتشريعاته في هذا المجال دستوريا وقانونيا، أن تحصنه من الاستهدافات، ما لم يتم التوجه رأسا إلى إصلاح عطب النموذج السياسي والتنموي، بإعادة تصحيح المسار الديمقراطي، والانكباب بجدية على إشكالية توزيع الثروة، لجهة إقرار عدالة مجالية وإحداث قدر مهم من التوازن الاجتماعي، بما يخفف من التوترات الاجتماعية ويضع حدا للاحتجاجات التي تضطر السلطات المغربية للتعاطي الأمني وإنتاج مزيد من الاختلالات الحقوقية المكلفة.