الموجة الثانية من «الربيع العربي»

ثبت أن الذين اعتقدوا بأن الثورة المضادة ستنتصر، وأن موجة التغيير قد انتهت كانوا على خطأ، فالحراك الجديد الذي تشهده المنطقة العربية حالياً، يؤكد أن الأجيال الجديدة عازمة على التغيير، وأن الثورات تحدث على موجات، وما شهدناه في بداية العقد الحالي ابتداء من أواخر عام 2010 لم يكن سوى الموجة الأولى من «الربيع العربي» بينما الموجة الثانية بدأت تُطل برأسها على العالم العربي.
الحقيقة الأكيدة هي أن الأوضاع الشاذة في العالم العربي لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، والأثرياء الذين راكموا ثرواتهم على حساب قوت الفقراء، وعبر صفقات الفساد ونهب المال العام لا يمكن أن يواصلوا الاستمتاع بهذا المال الحرام إلى الأبد، ولا يمكن للفقراء والمظلومين والمستضعفين أن يظلوا مُطأطئي الرأي حتى النهاية، إذ لا بد من صرخة احتجاج، ولا بد من حركة تغيير لا محالة، وهذا ما يحدث الآن.
في العالم العربي ثمة فساد سياسي ومالي غير مسبوق، وهناك حالة قمع واستبداد واستئثار بالسلطة، من قبل نُخب ليس لها أي شرعية شعبية، وهذا كله أدى الى اتساع رقعة الفقر والعوز والبطالة، وغياب العدالة، وتلاشي الطبقة المتوسطة، في الوقت الذي زادت فيه أعداد السكان في دولنا العربية، وخرجت أجيال جديدة تبحث عن فرص متكافئة وعدالة، وتبحث لها عن مكان في هذه الدول، فلم تجد أمام احتكار السلطة والنفوذ والمال من طبقات محدودة دون غيرها.

المنطقة العربية اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لتوزيع عادل للثروات، ولمزيد من المشاركة السياسية، وخلق المزيد من الفرص للشباب، لأن ما كان يصلح سابقاً لم يعد كذلك اليوم، فالمتظاهرون في لبنان، على سبيل المثال، أغلبهم إن لم يكن جميعهم ولدوا بعد انتهاء الحرب الأهلية، وبعد ظهور نظام المحاصصة الطائفية، ويستقر اليوم في ضميرهم الجمعي قناعة مفادها، أنهم يدفعون ثمن واقع لم يشاركوا في صنعه ولا في تشكيله، وفي الوقت ذاته فإن هذا الواقع يُقلص من فرصهم في المشاركة والحياة والعمل وغير ذلك، ولهذا كله فإنهم نزلوا الى الشارع للاحتجاج.
العالم العربي يشهد اليوم الموجة الثانية من موجات التغيير، والأنظمة التي ستفلت من الانهيار هي التي لديها القدرة على الاستجابة السريعة لشعوبها وتحقيق أكبر قدر ممكن من الإصلاح وتلبية مطالب الناس، أما التي ستتمترس وراء القمع والقهر والاستبداد فلا يمكن إلا أن تواجه الثورة التي ستؤدي إلى انهيارها، وهذا ما حدث بالفعل في الموجة الأولى (2011) إذ ثمة دولتان عربيتان على الأقل استطاعت أنظمتهما تجاوز الاحتجاجات عبر إصلاحات حققت ولو الحد الأدنى من مطالب شعبيهما.
والخلاصة هو أنَّ هذه الموجة الجديدة من «الربيع العربي» تؤكد أن الثورات المضادة فشلت، وأن التغيير في العالم العربي هو حاجة ماسة وليس مجرد رفاهية؛ إذ لا بد من تحول ديمقراطي حقيقي، يتيح المشاركة السياسية أمام الشباب، ويؤمن حياة أفضل للناس، ويؤدي الى توزيع أكثر عدالة للثروات، وإذا لم يحدث ذلك فنحن أمام مزيد من التوترات السياسية والاجتماعية، ومزيد من الاحتجاجات، وأمام ثورات ستؤدي إلى تغيير حتمي في الأنظمة الراهنة.