الوباء + الغباء = استفحال البلاء

كيفية انتقال فيروس كورونا من شخص إلى آخر، صارت معلومة لدى العامة والخاصة (التقاط الفيروس من الشخص المصاب عبر الرذاذ الصادر من أنفه أو فمه، أو بملامسته)، ولكنني أعتقد أن أكبر محفز لانتقال الفيروس وانتشاره هو الغباء.

ولأبعد عن نفسي شبهة التدخل في شؤون بلد آخر، سأورد أمثلة للغباء الفيروسي من بلادي (السودان) وللقارئ أن يستنتج كيف تسهم الوقائع التالية في استفحال جائحة كورونا:

في مسجد بإقليم دارفور في غرب السودان، اعتلى المنبر السيد الإمام يوم الجمعة قبل الماضية، وأرغى وأزبد لأن هناك من يقول إن تجمع البشر في الأماكن العامة والخاصة، والمصافحة باليد يسهمان في انتشار فيروس الكورونا “على ذمة الدكتور وزير الصحة”، ولتأكيد أن ذلك كلام فارغ، شتم الدكتور بعبارة تتعلق بعورة أمه؛ نعم، نطق بتلك العبارة النابية البذيئة وهو في واجهة بيت الله، وأمامه جمهور يثق بأنه “الإمام” الذي لا ينطق إلا بما يرضي الله ورسوله.

وبعدها بيومين استنطقت قناة تلفزيونية سودانية رجلا يشغل منصبا رفيعا في اتحاد كرة القدم، خلال حوار حول تعليق النشاط الكروي بسبب الجائحة، فإذا به يقول ما معناه إن الضجة حول الكرونا مفتعلة، بدليل أنه لم ير في شوارع الخرطوم أشخاصا يتساقطون إثر نوبات تشنج، كما حدث في إيران (يتكلم هنا عن مقطع فيديو روج له بنيامين نتنياهو بزعم أنه عن عشرات الأشخاص في شوارع المدن الإيرانية يسقطون ضحايا الكورونا، بينما المشهد مقتطع من فيلم الوباء Epidemic للمخرج ستيفن مايكل غيغليو).

والمشهد الثالث لمجموعة من الشبان السودانيين يتجمهرون رافضين قرارات الحجر الصحي ومنع التجوال، ويقول أحدهم: إذا كان ما يقال عن مخاطر الكورونا صحيحا فكيف جاز للفريق محمد حمدان حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة أن يسافر إلى مصر بعد فرض حظر الطيران إليها، لأنها من البلاد الموبوءة بالفيروس، ثم يعود ولا يوضع في الحجر الصحي؟ سؤال في محله تماما، فالرجل يشغل ثاني أعلى منصب دستوري في حكومة كرست كافة مواردها على شحها لتوعية الناس بمخاطر الفيروس، ولكن ما لم يكن في محله تماما هو أن أفراد تلك المجموعة هتفوا في تناغم: ما في كورونا/ ما تغشونا، ووزعوا كل تلك المشاهد بالفيديو على منصات التواصل المتاحة.

وشاءت إرادة الله أن يسلم وزير الدفاع السوداني جمال الدين عمر ـ رحمه الله رحمة واسعة ـ الروح في الخامس والعشرين من آذار (مارس) الماضي، وكما يليق بشخص في مكانته فقد أقيمت له جنازة عسكرية، ولكن وكما لا يليق بشخص أن “ينه عن خلق ويأتي مثله”، فقد تقاطر العشرات من كبار المسؤولين، الذين ظلوا يحثون المواطنين على عدم الاحتشاد لتقديم العزاء في الموتى أو احتفالات الزواج، تقاطروا على صيوان العزاء الذي أقامه أهل الفقيد، وكان من المضحكات المبكيات أن معظمهم كان يسد أنفه وفمه بالكمامات، ولكن يصافحون بالأيدي عشرات الناس في سرادق امتلأ بالمئات.

 

كيفية انتقال فيروس كورونا من شخص إلى آخر، صارت معلومة لدى العامة والخاصة (التقاط الفيروس من الشخص المصاب عبر الرذاذ الصادر من أنفه أو فمه، أو بملامسته)، ولكنني أعتقد أن أكبر محفز لانتقال الفيروس وانتشاره هو الغباء.

في جميع الدول العربية مشاهد ووقائع أفجع من تلك التي أوردتها أعلاه، وبالمقابل، وفي المؤتمرات الصحية الراتبة التي تعقدها اللجنة العليا لإدارة الأزمات في قطر كانت الأستاذة لؤلؤة الخاطر الناطقة باسم اللجنة، صريحة مساء الأربعاء 1 نيسان (أبريل) عند إدانتها لمسلك قطريين كان من المفترض أن يكونوا تحت الحجر الصحي، ولكنهم استخفوا بقرار الحجر واجتمعوا مع “الشلة” بل وسجلوا ذلك بكاميرا الفيديو وبثوه عبر الوسائط، وأضافت أنهم جميعا ومن خالطوهم يخضعون حاليا لعزل تام، بينما ينظر النائب العام في أمر مقاضاتهم لأنهم عرضوا السلامة العامة للخطر.

ومعلوم أن استخفاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالكورونا، حتى بعد أن بلغ عدد ضحاياها في الولايات المتحدة السبعين ألف شخص، وظهوره المتكرر على شاشات التلفزة وهو يقول كلاما غبيا عن أن تأثير الكورونا محدود، وأن الحياة في بلاده ستعود إلى طبيعتها مع عيد الفصح (الأحد 12 نيسان / أبريل) أسهم في استخفاف شرائح كبيرة من الأمريكيين بالجائحة، حتى بلغ معدل الوفيات في ولاية نيويورك وحدها شخصا كل ثلاث دقائق، فاضطر الرجل إلى لحس كلامه، بعد أن أدرك أن استمراره في ترديد كلام غبي وسخيف حول الكوورنا، قد يكلفه منصبه، بأن يجعل الناخبين ينصرفون إلى منافسة في الانتخابات الرئاسية المرتقبة أواخر العام الجاري.

ولا أجد ما يؤكد أن الجهل تيتم بعد موت أبي جهل “الأصلي”، ثم وجد في ترامب نِعْم الأب، أبلغ من الطرفة التالية: سأل الطبيب النفساني مريضه ما إذا كان هناك شخص في عائلته يعاني من اضطراب نفسي؟ فكان رد الرجل: عمي أدلى بصوته لصالح ترامب.

Almassae