بين الحراك السوداني والثورة التونسية.. أكثر من شبه

من قال إن الربيع العربي كان مجرد أكذوبة ومؤامرة، وأنه قوس قد أغلق نهائيا بعد أن غرقت المنطقة في الأوحال، وأصبحت الشعوب العربية ملقحة ضد الثورات؟ كثيرون رددوا هذا الكلام خلال السنوات القليلة التي مضت، واستندوا على الصعوبات التي غذت بعضها قوى الثورة المضادة، لكنهم بالتأكيد فاجأتهم الانتفاضة الشعبية الجارية حاليا في السودان، وربما أقلقهم كثيرا الشعار المركزي الذي يتردد على ألسنة الشباب والنساء في مختلف المدن السودانية، وهو ذات الشعار الذي نحته التونسيون عند إعلانهم عن ثورتهم التي مرت عليها الآن ثماني سنوات.. إنه شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.

إن الأسباب التي دفعت بالتونسيين الهادئين والطيّعين والصابرين؛ هي ذاتها التي ألهبت حناجر السودانيين، وجعلتهم بعد ثلاثين عاما من حكم المشير عمر البشير يغادرون بيوتهم وجامعاتهم ومراكز العمل، ويتحررون من الخوف والانتظار الطويل. فعندما يفقد الحاكم القدرة على الإنصات لأنين مواطنيه وتطلعاتهم، وينغمس كليا في عالمه العلوي، ولا يرى إلا نفسه في المرآة، ويظن بأن أجساد الضحايا قد استسلمت كليا لجلاديها.. في تلك اللحظات التي تظن فيها السلطة بكونها قد فرضت إرادتها بشكل مؤبد، تحصل المفاجأة الكبرى، وتعود الحيوية إلى الجسم المتهالك، ويبدأ الإحساس بالتحدي يخترق صفوف الشعب المتعب واليائس، وينزل الشباب إلى الساحات معلنا عن نهاية مرحلة وبداية عهد جديد.
الأسباب التي دفعت بالتونسيين الهادئين والطيّعين والصابرين؛ هي ذاتها التي ألهبت حناجر السودانيين، وجعلتهم بعد ثلاثين عاما من حكم المشير عمر البشير يغادرون بيوتهم وجامعاتهم ومراكز العمل، ويتحررون من الخوف والانتظار الطويل

يكون الشباب دائما وقود التغيير، وقد حصل ذلك في تونس وفي مصر وفي اليمن، وفي كل مكان انسدت فيه الآفاق، وصادر المستبدون مستقبل شعوبهم؛ ظنا منهم بكونهم فوق الحساب وأن بينهم وبين العدالة الإلهية ألف حجاب.

في لحظة الثورة، لا يقبل العقل الجمعي كل التبريرات التي يلجأ إليها بعض السياسيين والمثقفين؛ في محاولة منهم تعطيل الحراك الاحتجاجي. من تلك التبريرات، التخويف من الفوضى التي عادة ما تطل برأسها في مرحلة أولى من الحراك الثوري. ولكلمة الفوضى إيقاع سيئ في أذهان الناس لما تعنيه من عنف ونهب للأملاك الخاصة والعامة. ولهذا السبب بالذات، تخشى الشعوب من الفوضى التي تنتج في الغالب عدم الأمان، وقد تضع المدن والقرى تحت رحمة اللصوص وأصحاب القوة والنفوذ. لكن الأحداث كشفت عمليا عن وجود إرادة قوية وذاتية تظهر جليا خلال تفاقمها، حيث تتمكن الشعوب من الدفاع عن نفسها في الحالات التي تضعف فيها الدولة، وتكاد تنهار مؤسساتها. حدث ذلك في معظم الثورات، وهو ما أخذ يتجلى في الحركة الاحتجاجية السودانية، مثلما حصل في التجربة التونسية.
تتمكن الشعوب من الدفاع عن نفسها في الحالات التي تضعف فيها الدولة، وتكاد تنهار مؤسساتها

كذلك يكثر الحديث خلال الأجواء الثورية عن المجهول. إذ كلما بدأت أقدام النظام ترتعش ويقترب من الرحيل، يشرع المواطنون (وفي مقدمتهم نخبهم) في التساؤل عن القادم، وعن البدائل. وهي أسئلة مشروعة، خاصة عندما تكون أحزاب المعارضة ضعيفة ومشتتة، وبدون قيادة ولا برامج ولا كوادر قادرة على تحمل تبعات الحكم وإدارة الشأن العام. وهذا الأمر حصل في تونس، ويتجلى بوضوح حاليا في السودان، حيث المشهد السياسي فقير ويعاني من ثغرات كبيرة.

تلك بعض نقاط التشابه بين ما حدث في تونس قبل سنوات قليلة وبين ما يحدث حاليا في السودان. لكن مع ذلك هناك نقاط اختلاف بين التجربتين، ولعل من أهم هذه التباينات؛ مسؤولية الإسلاميين في تأسيس النظام الاستبدادي ودعمه. ففي تونس، كان الإسلاميون تحت القمع، في حين أنهم في السودان كانوا هم النظام.
كان الترابي أكثر ندما على استقدامه للبشير وتكليفه بأن يحرك الجيش ويطيح بحكومة الصادق المهدي. وقد شاركه في هذا الندم بعض أصدقائه وتلامذته الذين انحازوا إليه عندما انشق عن النظام، لكن الأغلبية من كوادر الحركة الإسلامية وقفت مع البشير
كان حسن الترابي قبل وفاته يشعر بحزن عميق؛ لأن مشروعه السياسي الذي نظر له وأشرف في البداية على تنفيذه هو الذي أدى بالسودان إلى هذا المأزق الكبير، وكان الترابي أحد ضحاياه.

زرته في بيته قبل أكثر من عشر سنوات، ووجدته فاقدا للحيلة، نادما على قراره الذي اتخذه قبل سنوات طويلة، والقاضي بالانقلاب على الحكم الديمقراطي الهش الذي كان قائما رغم كثرة علله وتعدد مظاهر العجز فيه. كما كان الترابي أكثر ندما على استقدامه للبشير وتكليفه بأن يحرك الجيش ويطيح بحكومة الصادق المهدي. وقد شاركه في هذا الندم بعض أصدقائه وتلامذته الذين انحازوا إليه عندما انشق عن النظام، لكن الأغلبية من كوادر الحركة الإسلامية وقفت مع البشير، وواصلت مغامرة السلطة اللعينة. فكانت تلك تجربة سيئة جدا في الحكم ارتبطت بالإسلاميين، وهو ما يفسر رغبة العديد منهم اليوم في التبرؤ من التجربة ومن نتائجها، ولكن بعد فوات الأوان. صحيح أن مساندة عدد من الإسلاميين اليوم للحراك الشعبي موقف هام قد يقلل من الخسائر وقد يؤدي إلى عزل البشير الذي يناور حاليا من أجل إنقاذ سلطته. لكن في انتظار ما قد تسفر عنه الأحداث، يعتبر ممارسة النقد الذاتي والانفتاح على القوى الجديدة وإطلاق الحريات، وتجنب أخطاء الماضي، من الشروط الأساسية لتحرير البلد والدولة من أخطبوط الاستبداد ومناوراته…