“جمعة الكاوتشوك”.. براءة اختراع المقاومة

لا يزال هؤلاء على أرض فلسطين الحبيبة وفي درة شرفها وكرامتها غزة العزة يعلمون العالم دروس المقاومة ويبتكرون الوسائل والأدوات ضمن عمليات مقاومة متتابعة يعبر فيها الفلسطينيون عن أن معين المقاومة لا ينضب وأن وسائل المواجهة تتعدد وأن كل حركة تعبر عن مقاومة الاحتلال تتمدد، ورغم أن المحللين السياسيين قد اتفقوا على أن الوضع بالنسبة للمقاومة يتعقد بما يؤدي إلى وضعها في أحرج موقف إلا أنها لازالت تبتكر أدواتها وتقدم براءات اختراعها وتنتج أحدث إبداعاتها لتؤكد أن الاحتلال إلى زوال وأن الحق لا يزول، وأن هؤلاء الذين يريدون للحقوق أن تتوارى ويحاولون من كل طريق إسناد قوى الاغتصاب والاحتلال ويدعمونهم في السر والعلن، فعل المقاومة الكاشف الفارق أدى كذلك إلى انكشاف لفضح خيانة أفعالهم للأمة وشرفها، للأوطان ومقدساتها، لعز الأمة وشرفها.

ومن هنا كان ذلك الرد البليغ على دولتين إقليميتين كبرتين ممثلتين في قيادتهما أن توقف مسيرة العودة وتحجم من آثارها لمصلحة المحتل الإسرائيلي، الذي صار يجد له أعوانا من المتصهينة العرب ليس فقط من مثقفيها ولكن أيضا من هؤلاء الذين يزعمون زعامتها، إن دولتين مثل مصر والسعودية حينما تطلبان من قيادة حماس وقف تظاهرت مسيرة العودة المتجددة للأسف الشديد موقع تصيهن قادتها، تحاول أن تساوم كل مقاوم رغبة في أن توقف الزحف على المستبدين في الأوطان وهم إذ يفعلون ذلك ويخططون له يرسخون قواعد المغتصب المحتل، الطغاة يجلبون الغزاة ومن ثم نجد كل طاغية وكل غازي يخافون كل مقاوم، إن مقاومة المحتل الغاصب هي مقاومة للمستبد الغاصب، ذلك أن هؤلاء حينما يطالبون حماس منع تلك التظاهرات إنما يفعلون ذلك خوفا من إرادة الشعوب التي دائما نرى بداية تحركها في أرض فلسطين ثم تتمدد إلى شعوب المنطقة في كل الأوطان.

ليس عجيبا أن ترى أن من يفرط في الأرض ويخون العرض ويستخف بأفعال الكرامة إنما تتمثل في تلك القيادات، فالقيادات غالبا ما تكون المسألة لديها ولدى هؤلاء بيع وشراء، لا تمثل الأرض بالنسبة لهم عرض وشرف، عز وكرامة، وفي الحقيقة إن خيانة أرض فلسطين هي امتداد لخيانة أرض الوطن، والتفريط في حقوق فلسطين هو مقدمة للتفريط في حقوق الأوطان، ولذلك فقد آتاهم الرد البليغ العتيد من حماس، لا تعتقدوا أن مقاومة المحتل قد انحصرت في تنظيم هنا أو هناك، المقاومة زرعت في قلب كل فرد، وأنها في حقيقة الأمر تمثل إرادة شعب، كان الرد واضحا قاطعا أن ذلك ليس بخيار حماس وليس في طاقتها إنها إرادة شعب بأسره جرت وسرت بين فئاته ومواطنيه، هو خيار لا يمكن السيطرة عليه خيار شعبي يعد تعبيرا عن إرادة شعب.

يساوم من فرط في الأرض السيسي المنقلب على فتح معبر رفح مقابل وقف مسيرة العودة، وكذا قدم مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعملية السلام في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، عرضاً جديداً لحركة حماس من أجل “تحسين حياة سكان غزة”. وقال غرينبلات في تغريدة له على (تويتر): “أقول للقيادة في غزة نبذكم العنف ووقف تهديد جيرانكم سيجعلكم تجدون يداً ممدودة من الولايات المتحدة لمساعدتكم، وتحسين جودة الحياة بغزة”، وحسب غرينبلات، “فإن وقف العنف وتهديد إسرائيل، سيخلق فرصاً عظيمة لمساعدة غزة”، على حد تعبيره. ولكن كل هؤلاء لا يعرفون أن المقاومة لا تقبل المساومة.

هل اتضحت هذه الرسالة للمتصهينة العرب أفرادا وزعامات أم أن هؤلاء الذين قادوا عملا مضادا للثورة مدبرين كل ذلك بإجهاض تلك الثورات ومحاصرتها، لا يزالوا يخافون من كلمة المقاومة وإذا أردت أن تبحث عن عنوان للمقاومة ترى أهل فلسطين حينما يتقدمون الصفوف في معمل مقاومة الغاصب المحتل وفي ملحمة القرن مواجهة صفقة القرن. هل رأيتم براءة اختراع تقدمها تلك المقاومة في “جمعة الكاوتشوك” لتواصل حركة فريدة في مقاومة المغتصب المحتل تحاصر احتلاله وتواجه اغتصابه كل ذلك يتأكد من هذا العمل العظيم الذي يتخذ كل يوم أشكالا مبدعة وبراءات اختراع متجددة، فلا حيلة للمغتصب حينما يرى هؤلاء وقد أراد الكيان الصهيوني أن يلقي في روعهم أن ليس لهم من طريق إلا للخروج من الأرض والهرب منها وفق “سياسة الترانسفير”.

فيرد المقاومون على كل هؤلاء ردا معاكسا “لن نخرج من الأرض ولكننا سنعود لكل الأرض”، إنها ملحمة القرن حينما تصفع صفقة القرن وتجعل من إطارات الكاوتشوت عملا يلفت الانتباه ويؤكد أن عتمة الدخان قد صنعها ظلام المغتصب والمستبد ولكنها ستنقشع عن فجر مقاومة لا يعرف إلا لغة الرفض والاحتجاج والعزة والشرف، لا يفرط في الأرض ولكنه يعمل ليسترد الأرض، ترى ماذا ستتفتق عنه خلية المقاومة حينما تصدر براءات اختراع، فمن الحجر إلى السكين تخترع الأدوات لتواجه المغتصب ومن تواطأ معه قادة الإقليم وقادة العالم، بل يدعمون ذلك المغتصب ويتحدثون عن سلميته وعن حقه في العيش في سلام رغم أنه يمارس كل يوم قضم الأرض بمزيد من الاستيطان وفائض من العدوان، يبررون للعدو بوابة شرعنة سلطانهم وعروشهم.

ما إن علم أبطال غزة أن الجيش الإسرائيلي استخدم القنّاصة في “مسيرة العودة الكبرى”، حتى قرر سكان غزة أن يستخدموا في التظاهرة التي أطلقت الجمعة الماضية، مرايا لعرقلة رؤية جنود الجيش الإسرائيلي، وإشعال إطارات لإطلاق دخان كثيف وعرقلة عمل القنّاصة. لهذا، تدعى مظاهرات يوم الجمعة “جمعة الكاوتشوك”، براءات اختراع تتوالى.

فقد كل هؤلاء من يساومون المقاومة البصر والبصيرة حينما يتعامون عن الحقوق في الأرض السليبة ويبررون لإسرائيل احتلالها واستيطانها، ولكن الأمر أمر إرادة شعوب لن تموت ما كان في الأمة أمثال هؤلاء من نموذج طفل الحجارة الذي يتجدد في أشكال أخرى، وامرأة فلسطين التي تجعل من أولادها فداء لمقاومة الغاصب واسترداد الأرض والعرض، وتجعل من الشيخ المرابط ذاكرة الأمة التي تدفع وتدافع عن الأقصى وتنسج قصة مقاومة وتخرج كل يوم براءة اختراع قد لا يهتم بها الأقوياء المتواطئون ولكن هو عمل لا يهتم به إلا الشرفاء ليؤشر من كل طريق أن الأمة التي فيها مثل هؤلاء لن تضام ولن تموت.