حملة الدفاع عن الهوية العربية ضد الطمس والاقتلاع

تتعرض المنطقة العربية منذ أكثر من قرن لحملة منسفة لطمس هويتها عن طريق تجهيلها وسحق عقلها، وقمع المصلحين المستنيرين فيها. حدث ذلك عن طريق الاستعمار، ثم تحالف الاستعمار مع الشيوعية، ثم زرع الاثنان إسرائيل لتتكفل بضياع الهوية، فتشكل تحالف غربي صهيوني لإسقاط الشيوعية. ثم اتجه لطمس الهوية العربية والإسلامية باستخدام آليات مبتكرة، وهي الحكام والإعلام. وانسحب الغرب وخلّف إسرائيل والدولة الوطنية التي ثبت أنها وهم وستار وشعارات مخدرة.

انتهى الأمر في المنطقة العربية إلى تقسيم نظم الحكم فيها، المتحالفة على حساب الأوطان، إلى ثلاثة فئات؛ هي فئة الحكم الأسري (وليس الملكي)، وفئة الحكم الجمهوري الوهمي الذي تستر بالجمهورية تحت عنوان الحكم العسكرى، والحكم الحزبي. وكلها نظم طائفية فككت الدول القديمة، مثل مصر والعراق ولبنان، وأحلت الطائفة محل الدولة، وأوجبت الولاء والتبعية لها، وقضت على المواطنة، رغم بلاغة النصوص الدستورية في تحصين النظام الجمهوري والمواطنة وحكم القانون، فصارت الطائفة الحاكمة هي التي تستحوذ على الشعوب وموارد البلاد ومقدراتها، وتدير علاقاتها الخارجية لخدمة مصالحها المناهضة في كل الأحوال لمصالح الأوطان.

ولكي يتم تخدير الشعوب، أوهمتها النظم الحاكمة بأنها تحميها من إسرائيل، ثم تحميها من إيران ثم من الإرهاب، ومقابل تلك الحماية الوهمية قسمت المجتمع إلى طبقتين، طبقة السادة الذين يملكون كل شيء، وطبقة العبيد الذين يعانون من كل شيء. وتم قمع كل نقد لهذه الأنظمة، ومُنعت محاولة إيقاظ الوعي الشعبي أو إحداث إصلاح أو تغيير يسمح بالعيش للجميع، ولو بشكل طبقى. بل بلغ الأمر أن طبقة السادة احتكرت الوطن ومقدراته، بل وسعت إلى طرد كل من يعاني أو لا يعجبه نهب الوطن والتنكيل به.

تبدأ قراءة الواقع العربي وقضاياه من هذه المقدمة، حيث صار واضحا أن الدول العربية صارت طبقية وتساند الحكام في ناديهم، جامعة الدول العربية، ضد صرخات الشعوب للإنصاف والعدل، بما حفل به عام 2011 من حراك شعبي سلمي واسع. فتجمع كل من له مصلحة في الوضع القائم وهم الحكام والمنتفعون والمغيبون وإسرائيل والغرب، وتوابعهم في المنطقة، بحيث عمد هذا التحالف إلى تأبيد الوضع، وصار الحكام يشعرون بأن شعارات التخدير القديمة لم تعد تجدي، فعمدوا إلى المجاهرة بالمواجهة والانكشاف، في تحد ظاهر للوطن وأهله، وفي نهب صريح لمقدراته دون مبرر أو تستر.

هذا الوضع ينطوي على مخاطر فائقة أهمها:

1- اتساع دوائر الهجرة الاجبارية إلى أوروبا، واشتداد أدوات قمع هذه الهجرة ونفقات هذا القمع.

2- انكشاف العلاقة بين الحكومات الغربية والاستبداد والفساد العربي وتسترهم عليهم ضد الشعوب.

3- انكشاف شعارات حقوق الإنسان والمبادئ الإنسانية وعقمها عند الشعوب واستفزازها للاستبداد العربي؛ المستمر في إنكاره للواقع الذي تصوره تقارير حقوق الإنسان، دون أن تجرؤ حكومات الغرب على ربط التعامل مع الحكام العرب باستقامة أحوالهم، وهي تملك في ذلك الكثير.

4- انقطاع الأمل في الحياه الكريمة أمام الشباب، فيتجه إلى الدفاع عن بقائه عن طريق الإرهاب في الداخل والخارج، فترتفع ميزانيات الأمن ومحاربة جيوش اليائسين والمهمشين وضحايا الظلم والقمع، فيتهدد الازدهار والأمن والاستقرار الأوروبي الذي كان على حساب شقاء الشعوب العربية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطط وتفكير جديدين، لكي يكون السلام للجميع والازدهار للجميع؛ في عالم جديد نرسمه معا.

5- تراجع الهوية العربية في بعض البلاد العربية والاستهانة الخارجية بالمواطن العربي؛ ما دام مقهورا في بلده.

6- مخاطر ضياع الهوية العربية للعرب المهاجرين وأخطاء تربية الأجيال التالية، وتشويه صورة الوطن من خلال صورة النظام، فتبقى الأمة بلا هوية. وهذا أخطر النتائج، ولذلك لا بد من تحرك العقلاء والمفكرين للمحافظة على هوية الأمة وإعادة الثقة فيها، لعل هذا الجهد ينجح في إعادة الحكام إلى أحضان الوطن والشعوب، وهذا هو الحل المثالي، ولنزع آفه الانتقام وتصفية الحسابات التي مارسها الحكام ضد شعوبهم لمجرد رفضها العبودية ومطالبتهم بالإصلاح.

ملامح خطة الإحياء العربي:

أولا: إنشاء مركز للإحياء العربي في فيينا؛ تكون له فروع في كل الدول العربية والأوروبية، وتكون له أربعة مهام:

المهمة الأولى: استعادة العقل العربي للشعوب، وإعادة بناء النخب وتطوير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بدلا من الثورات والحراك الذي ينتهى بالفشل والكوارث بسبب تمسك الحكام وحلفائهم بالوضع الراهن، وتمسك الشعوب بالتعبير، وصعوبة تنظيم الشعوب لتحقيق أهداف التغيير دون مواجهات.

المهمة الثانية: تثبيت الاعتقاد بأمة واحدة سيء بها وتم الاتجار بآلامها، وتغذية الشعوب بأوهام لا علاقة لها بالواقع، والتستر وراء الشعارات لترسيخ الاستبداد والفساد، واتساع قاعدة الفساد الداعمة للنظم من أموال الشعب الذي كان حظه الاستعباد وانتهاك الكرامة والإفقار وضياع الوطن الذي حيل بين المواطن وبين وطنه، بعد أن ابتلعته النظم المستبدة التي وزعت الوطنية وتاجرت بالقومية. ولذلك وجبت مراجعة كافة المصطلحات والشعارات في عصر الدولة الوطنية التي كانت محتلة من الأجنبي، فكان أرحم من تسخير النظم الوطنية لها بحجة حمايتها والغيرة عليها.. هذه الوظيفة يقوم بها المثقفون الجدد الذين يؤمنون بالمصلحة العليا ويخدمون وطنهم بتجرد ونزاهة.

الوظيفة الثالثة: توجيه الشباب العربي في أوروبا، خاصة ممن ولدوا واندمجوا في المجتمعات الأوروبية، إلى الهوية العربية وتأكيد انتمائهم إلى أقطار هذه الأمة، على أساس عقلي يليق بالمناخ الذي نشأوا فيه بثوابت الدين والحكم والحياة، فظلت عندهم مسلّمات وثوابت كالتي تريينا نحن عليها في منطقتنا.

فقد صودرت العقول العربية واستكانت للزعيم الملهم الحامى للوطن والذائد عن حياضه، مقابل استعباد المواطن وابتلاع مقدراته. ولذلك، فإن الجاليات العربية عادة تتخذ موقف المعارضة للحكام العرب في أوطانها؛ لأنها ببساطة لم تر سببا مقنعا للسيطرة على البلاد والعباد. وحتى الصراع مع إسرائيل ثبت أنه استخدم ذريعة في إطار تخويفنا وللترويج لجدارة الزعيم باستعبادنا لإنقاذنا من المؤامرة علينا.

وربما كانت هذه هي أصعب المهام، ويتم تنفيذها عن طريق تدريب مجموعة من المدربين.. خمسة شبان مثلا من كل بلد أوروبي لمدد قصيرة، ثم تتم مخاطبتهم بوسائط التواصل الحديثة، ويمكن عقد الدورات لمجموعات تمثل الجالية في البلد المعين.

أما المهمة الرابعة، فهي التواصل مع المثقفين وذوي الرأي في أوروبا في الجامعة ومراكز البحوث وجماعات حقوق الإنسان والبرلمان والإعلام والنقابات، لبلورة صورة جديدة لعلاقات عربية أوروبية تتجاوز الحكومات، وتبدأ من الآن متحررة من قيود الماضي وهواجسه وتهويماته، لمواجهة عالم جديد يحمل الفرص والمخاطر. ويمكن تدريب مجموعات الشباب العربي للقيام بهذه المهمة، بالتنسيق مع مجموعات العمل بمركز الإحياء العربي.

هذه المهام الأربع يمكن مناقشتها ووضع الآليات التنفيذية لها، والهدف الأساسي هو تحقيق التطور والنمو في المجتمعات العربية، بعيدا عن الاستغلال والطائفية.

ثانيا: قضية إسرائيل:

في إطار الحوار المتواصل داخل الوطن العربي وفي أوروبا، لا بد من مناقشة قضية إسرائيل والبحث عن صيغة للتعامل معها، وربما أمكن إقناع النخب لديها بجدوى البحث في مصير واحد مشترك لفلسطين، وتغيير سياسة الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل، تفاديا لانفجار المنطقة ضد التحالف الإسرائيلي العربي.

إن الطاقات العربية مهدرة وشبابها مضيع وإبداعها معطل، وقد آن الآوان لوضع تصور يخرج المنطقة من الدوامة وصراع الهويات.