خريف الغضب في فرنسا

ربما لم تكُن تتصور غالبية الفرنسيين أن تصل حركاتهم الاحتجاجية حدود ما وصلت إليه، من إحراق للسيارات، وأضراربليغة في ممتلكات الناس، وجرحى في صفوف رجال الأمن وبين المحتجين، وتعطيل السير والمواصلات، وإرباك العمل الحكومي.. ففرنسا التي تقود التعبئة الدولية من أجل حماية كوكب الأرض، تخلف رئيس حكومتها عن حضور انطلاق القمة الرابعة والعشرين للمناخ في مدينة “كاتوفيتشي” البولندية، كما أن رئيسها “ماكرون”، ومن قلب قمة العشرين في الأرجنتين، تفاعل مع ما يجري في بلده، واضطر أن يزور فور عودته “ساحة حرب” حاملي “السترات الصفراء”، أي جادة “الشانزليزيه” ورمزها التاريخي “قوس النصر”، قبل أن يدعو حكومتَه إلى اجتماع أزمة لتقييم ما يجري في عموم بلاده.

تخترق النقاشَ العمومي في فرنسا تساؤلاتٌ واستفهامات كثيرة حول هوية حركة “السترات الصفراء” (gilets jaunes).. من هم اعضاؤها بالضبط؟ وهل هي حركة متجانسة من حيث المطالب وآليات العمل، والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها؟ وهل لها عقل يؤطر عملها ويوجه نضالاتها؟ وهل طبيعتها سلمية، أم فيها مزيج من السلم والعنف؟ ثم هل سقف تظاهرها تحقيق مطالبها الاجتماعية كما يتم التعبير عنها؟ أم أن مقاصدها أبعد من ذلك، فتروم إسقاط الرئيس الحالي، والمؤسسات التابعة له، وبناء شرعية جديدة على أسس مغايرة، كما حصل في ثورة 1789، وفي الانتفاضات التي أعقبتها، بما فيها حركة أيار/ مايو 1968؟

وصول الاختلالات الاجتماعية حدّا حرجا لم تعد شرائج اجتماعية عريضة وواسعة تحمله، وأن فجوة بين الطبقة السياسية الحاكمة وعموم الفئات المتضررة من جراء الإصلاحات التي أقدم عليها الرئيس “ماكرون” ما انفكت تزداد وتتسع

ثورة؟

لا تبدو لنا أن ما تسعى إليه حركة “السترات الصفراء” القيام بثورة، أو انتفاضة من شأنها إسقاط شرعية النظام المنبثق عن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وإعادة تنصيب نظام جديد، على الرغم من استثنائية موجة العنف التي اجتاحت فرنسا خلال الثلاثة أسابيع المنصرمة.. ما يبدو لنا حاصلا، كما هو ظاهر للغالبية العظمى للفرنسيين المؤيدين للتظاهرات (84 في المئة)، هو وصول الاختلالات الاجتماعية حدّا حرجا لم تعد شرائج اجتماعية عريضة وواسعة تحمله، وأن فجوة بين الطبقة السياسية الحاكمة وعموم الفئات المتضررة من جراء الإصلاحات التي أقدم عليها الرئيس “ماكرون” ما انفكت تزداد وتتسع. والأخطر من هذا، تنامي وعي حد داخل المواطنين الفرنسيين بأن الطبقة السياسية، من أحزاب وتنظيمات، لم تعد تمثلهم، وتقوم بدور الوساطة بينهم وبين السلطة، وأن ملاذهم الأخير والأضمن الخروج إلى الشارع والضغط المباشر على الحكم ومؤسساته؛ من أجل الإنصات لهم أولا، والتفاعل إيجابيا مع مطالبهم ثانيا.

نُذكِّر القارئَ الكريم بأن سياقَ انتخاب الرئيس “ماكرون” كان خاصا، من حيث أوضاعُ الطبقة السياسية الفرنسية عموما. فقد تراجعت كل الأحزاب التقليدية من يمين ويمين وسط، ويسار بكل ألوانه، وبدا المجال السياسي الفرنسي وكأنه يشكو من فراغ مهول، ويحتاج إلى من يُعيد الحرارة إلى جسمه المترهّل، وهو ما دافع عنه “ماكرون، وإلى جانبه حركته حديثة النشأة “الجمهورية إلى الأمام” (la république en marche).. إنه السياق الذي قاده إلى الفوز الرئاسي، ليدخل التاريخ الفرنسي كأصغر رئيس منتخب عام 2017، وعمره لم يتجاوز بعد الأربعين عاما (1977 – 2017).

ربما كانت توقعاته أن آلة الإصلاح مستمرة بغض النظر عن كلفتها الاجتماعية، وأن الاحتجاجات مؤقتة وسرعان ما يعود الجميع إلى الصفّ

 

تحولات سياسية

نجح “ماكرون” في صياغة خطاب جاذِب لعموم الفرنسيين الذين أتعبهم اليمين واليسار على حد سواء، واستبدت الرتابة وعدم الثقة بوعيهم ونفوسهم، فأصبحوا يبحثون عن بديل جديد ومغاير لفرنسا. والحال، أن “ماكرون” ظهر للكثير منهم المنقذ والموصل لهم إلى برِّ الأمان، فصوّتوا له اقتناعا بأفكاره وشعارات حركته، ونكاية في أحزابهم وتنظيماتهم السياسية.. غير أن السياسة ليست دائما وفية، كما تظن غالبية الناس، كما أن ممارسة السلطة تغير أصحابها بالتدريج، أو على الأقل تدفعهم إلى الابتعاد عن خطاباتهم الأصلية، باسم الواقعية السياسية وضرورات فعل الممكن، وليس ما ينبغي أن يكون. فـ”ماكرون” المنقذ، والملهِم، ورمز التجديد والاجتهاد.. سرعان ما بدأ يبتعد ليحل محله “ماكرون” صاحب البرامج الإصلاحية في مجال الاقتصاد والمالية والضرائب الأكثر إضرارا بشرائح واسعة من المواطنين الفرنسيين.. فقد امتلك جرأة إصلاح “نظام التقاعد”، وتمكن من إخماد الأصوات المعارضة له، وأصلح نظام “السكك الحديدية”، وقدِرَ على تجاوز عاصفة الرفض والاعتراض، وسرعان ما توسعت شهيته ليمسك بأكثر القطاعات حساسية، أي الرسوم والضرائب، فرفع قيمتها بالنسبة للمحروقات، والأجور، والمعاشات، وربما كانت توقعاته أن آلة الإصلاح مستمرة بغض النظر عن كلفتها الاجتماعية، وأن الاحتجاجات مؤقتة وسرعان ما يعود الجميع إلى الصفّ.

في السياسة، يعجز أصحابُها (أي صناعُها) أحيانا عن معرفة إلى أين تنتهي، على الرغم من معرفتهم بدايات انطلاقها وإدراكهم تعقيدات سريانها.. فالسياسة ككرة الثلج تتدحرج لتصبح جبلا، وحين تتحول إلى جبل تولد التغير النوعي المطلوب.. هكذا كانت جل الثورات في التاريخ، وهكذا ثورة الطلاب عام 1968، التي أسقطت أب الجمهورية الخامسة “الجنرال ديغول” عام 1969، وقوضت أنظمة عديدة في أكثر من بقعة من بقاع العالم.. ربما تقود النباهة الرئيس “ماكرون” إلى استخلاص ما يمكن استخلاصه من حركة “السترات الصفراء”، فيقدم بوعي واقتناع على “سلام الشجعان”، أي فتح حوار حقيقي يمكنه منالإنصات إلى مطالب ناخبيه والمجتمع الفرنسي الذي يمثله، ويساعده على فهم أن الليبرالية المتوحشة ليست بديلا آمنا، وأن التوازن الاجتماعي هو الأضمن لاستمرار العيش المشترك والحفاظ عليه حيا ومتجددا.