سلمان العودة قربانا للعهد الجديد

نال الشيخ عبد العزيز الريس الموصوف بالمجاهد، على فتواه الشجاعة، بعدم جواز الاعتراض على ولي الأمر، وإن زنى، نصف ساعة على التلفزيون، على الهواء “مباشر”، وشَرِب الخمر، للجمع بين لذتين كبيرتين، عضوية التدريس في جامعة الرياض. وهي فتوى سافرة ومتقدمة، في سباق الركوع للسلطان من دون الواحد الديّان، على فتاوى سلفية النظام المصري، مثل أكل لحوم الجن، واعتبار الراقصة شهيدة، ورضاع الكبير (على أن تضع المرضعة اللبن للراضع في فنجان قهوة). وهي متقدمة أيضاً في سباق إرضاء السلطان بسخط الله، على تأويل فتوى قديمة مقتبسة من حديث شريف يقول: “يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك، قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك”، بحدٍ، كما يذهب عامة الفقهاء. الفتوى تهمل الأئمة المفارقين للهدى، والقاعدة هي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القربى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”. الفتوى الجديدة التي نال عليها المفتي ترقية، تسقط الحد عن الحاكم في كبيرتين، ولا تذكر المزني بها أو بهنّ، هل يقام عليها أو عليهنّ الحدّ، وما حكمهنّ؟ أملهنّ الثواب على تقديم خدمة التسرية لولي الأمر من غير عقد ولا نكاح.

حتى في بلاد الفرنجة، التي يستعيذ عادة أمثال هؤلاء الشيوخ من فسادها، هنا كأفلام لا تخلو من مشاهد عابرة مدتها أقل من دقيقة: تحدد الأعمار لمشاهدتها، فيكتب تحذير قبل بثها: +18، وتبثُ عادة في مواعيد نوم الأولاد. المفتي المجاهد لم يحدد موعد بث ساعة الزنا، ولا أعمار المشاهدين، فهي فتوى مرسلة بإطلاق وتعميم. يقول المفتي: لا يجوز التعرض لولي الأمر الزاني من وراء ظهره، ثم دعا إلى كل سبيل لتأليف القلوب على ولي الأمر والاجتماع عليه، يعني بعد مشاهدة فيلم نصف الساعة من المفسدة الشاملة. ويحتمل أن يحقق الفيلم أرقاماً قياسية من المشاهدات على اليوتيوب، تفوق رقصة كيكي، يتيقن فيها كل مسلم من جدّ ولي الأمر واجتهاده، كفاحه وبسالته.. ستجتمع القلوب والأفئدة عليه اجتماعاً لم يحدث في تاريخ المسلمين.

الحقيقة أنّ الفتوى رفعت بيتاً لا عماد له، هو بيت المفتي، وقلّبت المواجع، وكنت أرجو لوليّ الأمر كيكي أن يعيش على سروج السوابح، ويقضي تحت طعن القنا وخفق البنود مثل الفرسان، ولكل مسلم حصة في عدله أو ظلمه؛ لأنه يقوم على رعاية الركن الخامس، وإدارة عاصمة المسلمين الروحية والدينية.

رجوت وأملت أن يظهر ولي الأمر كيكي على التلفزيون بالزيّ الذي يريد، وأن يخطب نصف ساعة نثراً وليس شعراً، باللهجة العامية، وليس بالفصحى، ويتحدث عن أسلوبه في الحكم الرشيد، من ورقة مكتوبة بخط كبير كالعادة، فأنا أدرك صعوبة الارتجال لمن في موهبته وعمره وفحولته، وأن يمشي نصف ساعة من غير عكاز. لم أرجُ أن يقوم بزيارة الأحياء العشوائية، ولا أن يحمل على ظهره كيس السويق مثل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فليشتر ما شاء من اللوحات المزوّرة، واليخوت الفاخرة، وأن يحارب ما شاء من الإخوة الأعداء.

هذه الفتوى والله أعلم من تأثير ضم جزيرتي تيران وصنافير المصرية، فمزاج الفتوى مصري، ومصر مشهورة بالمضحكات ليس منذ عهد المتنبي الذي قال: وَكذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ، وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكا، بل من عهد النبي يوسف عليه السلام. أما القول بجامية المفتي ومدخليته، فهذه المدرسة العظيمة – وأيم الحق – منتشرة في كل القصور العربية جمهورية وملكية، ومهلبية، وجميعها تذكّر بمذهب يدّعي هذا المذهب محاربته، هو مذهب الإمام المعصوم، لا يوجد إمام أكثر عصمة من ملك يزني ويشرب من أجل تأليف قلوب الأمة عليه. بل إنّ الخميني المعصوم نفسه؛ عندما فرض الحجاب على إيران احتجت عليه كل نسائها السافرات والمحجبات!

في رواية “زوبكزاده”، وهي نص ساخر متخيل، يتلصص أهل قرية “التراب الميت المذرى” بتسلق عمود الكهرباء، على الحكومة وهي ترتكب الفواحش في مبنى البلدية، متسترة من المعاصي، وليس على الهواء مباشر. لقد غلب المفتي بفتواه خيال الساخر الشهير عزيز نسين.

تبشر فتوى إعدام سلمان العودة المتهم بسبع وثلاثين تهمة؛ بأن أبا رؤية سيعدمه، ويقدم دمه قرباناً لعصر الحداثة السعودي، وتقرباً من أولياء نعمته في واشنطن، وبرهاناً على حسن إيمانه الجديد كما فعل سلفه جمال عبد الناصر عندما أعدم سيد قطب، وسلفهما الأول هيرودوس، الذي قدم رأس النبي يحيى عليه السلام على طبق للحسناء سالومي، التي راودها الملك عن نفسها، فطلبت منه رأس النبي يحيى مهراً لها؛ لأن النبي يحيى تمنّع عليها، وكانت سالومي أجمل من إيفانكا ومن أمها أيضاً، أما السلطة فأجمل من النسوة الثلاث وألذ.