سيتكومات 2021 تنضم إلى نادي «الركاكة» في الكوميديا المغربية/ عبداتي بوشعاب

 

 

“Sitcome”، مصطلح إنجليزي منحوت من عبارتين، الأولى “sit من situation” أي موقف، والثانية “com من comedy” أي فكاهة، والتعبير المختصر يعني ببساطة «كوميديا الموقف»*.

مصطلحٌ أطلقه النقاد في الغرب على نوع من الإنتاجات الدرامية التلفزيونية، والتي تتسم بسمات تميّزها عن باقي الأنواع الدرامية. من أهم خصائصها أنّ كل حلقة مستقلة بذاتها، وتنتهي بإنهاء الموقف وانحلاله. لا توجد استمرارية إلا في الشخصيات الرئيسية، ولا تتجاوز مدة الحلقة ثلاثين دقيقة، وكل شيء مبني على مواقف ينبغي أن تُضحك الجمهور.

وتقليدا لهذا الشكل الدرامي العالمي، تُنتِج القنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج في العالم العربي عموما والمغرب تحديدا، منذ التسعينيات سيتكومات، غالبا ما تنتهي في الحلقة الثلاثين نظرا لكون عرضها الأول يكون في شهر رمضان، الذي تستغله الشركات المعلنة للإشهار وقتَ عرض الإنتاجات الدرامية التي تحقق أعلى نسب المشاهدة.

المفترضُ أن الجمهور يتابع هذه الأعمال –التي يقدمها التلفزيون على أنها فكاهية- بحثا عن البهجة والتسلية والضحك، باعتبارها مادة فنية ترفيهية، يشاهدها المتلقي للترويح عن النفس وطلبا للشعور بسعادة مؤقتة تغذي حاجة نفسية تساعده –ولو نسبيا- على البقاء متفائلا في واقع مليء بالقلق والتوتر.

لكنّ ما يُعرض هو عكس ما يتوقعه الجمهورǃ معنى ذلك أن أغلب الأعمال المغربية من هذا النوع، قد تكون شيئا آخر غير الكوميديا، مايزال المهتمون بالتمثيليات المعروضة على الشاشة المنزلية يحاولون تصنيفه كعمل تلفزيوني له أهداف محددة يتم تمريرها فنّيـا، فما يتم تمثيله ليعرض على هذه الشاشة الصغيرة إما أن يكون اجتماعيا؛ يُصوّر واقع طبقة اجتماعية ما في مكان معين. أو تاريخيا؛ ينقل ما حدث في الماضي. أو دينيا؛ يسرد –على سبيل المثال– سيرةَ شخصيةٍ إسلامية مؤثرة… أو كوميديًّا يُبهِج الجمهور مهما كان موضوعه.

إن ما يتم إنتاجه وتقديمه في التلفزيون على أنه سلسلة كوميدية (سيتكوم) تُبهِج المشاهد، ليست كذلك على الإطلاقǃ إنها تعكر مزاجه وتشعره بالامتعاض إزاء ما يراه من ركاكة وغثاثة، بل إنه يشعر بالشفقة أحيانا على مآل الكوميديا. وما متابعته لها إلا لشعوره بالانتماء ولارتباطه بالإعلام المحلي خلال الشهر الفضيل، ولأمله في أن تكون الحلقة القادمة أفضل من السابقة وفي أحوال أخرى أن يكون المشهد اللاحق أفضل من الذي فات. أملٌ يتبدّى بعد أن يكوّن المتلقي فكرة عامة عن العمل المعروض، وهو المتلقي الذي تعود على رداءةٍ يعتبرها تحصيل حاصل في هذا النوع من المواد التلفزيونية. لقد راكم خبرة تلقٍّ تجعله يصدر حكما تجاهها منذ الحلقات الأولى.

وبالرغم من تذمرنا الشديد من هذه الإنتاجات التي لا ترقى لتطلعات الجمهور الشغوف بالفن التمثيلي الهادف، إلا أن هناك بعض الإضاءات، التي ينبغي أن نشيد بها ولو كانت بعيدةً عن شكل السيتكوم، وهي أعمال الفنان الكوميديان المغربي “حسن الفد”، في تمثيلياته التي لا تتعدى مدة عرضها الخمس دقائق، ومن بينها «سلوى والزبير 2016» و«طوندونس 2020» و«الفد تيفي2021».

نعتقد أن آخر السيتكومات المغربية التي أسعدت جمهور التلفزيون في رمضان؛ كانت في التسعينيات وبدايات الألفية، مع الفنان “عباس الناصري” في سلسلة «أنا وخويا ومراتو»، إخراج “ناصر الهوير” عام 1998، والأجزاء الثلاثة من سلسسلة «لالة فاطمة» مع الثنائي “خديجة أسد وعزيز سعد الله”، وهي من إخراج “نبيل عيوش” سنوت 2001/2002/2003. وسلسلة «سي مربوح» مع الفنان “محمد الجم”، التي أخرجها “حسن الواحدي” عام 2001. وهي أعمال تميّزت بالتأليف الكوميدي العائلي المبني على مواقف اجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة.

أما بعد هذه المرحلة، أي في الفترة الراهنة؛ فقد تبوّأت البذاءة مكانها في المادة التمثيلية الفكاهية المغربية، وأثّر فقر الموضوع الرئيسي للحلقات على نسب المتابعة، وعلى أداء الممثلين الذين أصبحت السذاجة تطبع أداءهم للأدوار التي يلعبونها، فمهما بلغت حرفية الممثل إلا أنها لا تقيه من السقوط في فخ التكلّف والركاكة أثناء الفِعل، خصوصا إذا كان السيناريو يدور على إفّيهات غبية لا تضحك إلا المتلقي الأمّي. وحتى بعد استعانة الكوميديا المغربية هذه السنة (2021) بروادها المعروفين؛ كـ”محمد الجم ونزهة الركراكي وعبدالله فركوس وحسن فولان”، إلا أنها بقيت سطحية متكلفة رتيبة، نظرا لضعف السيناريو والرؤية الفنية الباهتة.

نسجل إذن في الختام، الفقر الواضح أولاً؛ من حيث الفكرة التي تُبنى عليها مواضيع الحلقات، وثانيا من حيث المواقف التي يتعين أن تحمل معنى مضحكاً يجعل المتلقي مشدودا لمتابعة المشاهد القادمة وهو مستأنس بالجو العام للأداء الفني من رؤية إخراجية وتمثيل وديكور…

والحقيقة أن هذا التراجع يأتي في سياق ما قد يُعرف بأزمة الكوميديا العربية عموما، فلا تعاني الإنتاجات الفكاهية المغربية لوحدها من الفشل المريع في إضحاك الجمهور. ففي مصر أيضا لم تعد تُنتج أعمال كوميدية ذات مستوى فني رفيع. ولعلّ هذا الضعف الفني يُعزى لأسباب كثيرة، من أظهرها التضييقُ على حرية التعبير، فلطالما كانت أحوال السياسة والسياسيين عوامل مغذية للكوميديا، والفن يحتاج للحرية، حرية التفكير قبل حرية الإبداع.

*أسامة القفاش، فن الكتابة الكوميدية. منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 2012.

Almassae