شرعية الحاكم العربي.. بين إسرائيل وفلسطين

مر بالعالم العربي عصر كانت القومية العربية شعار النظم العسكرية التي أطلقت على نفسها صفة التقدمية، فكرهت النظم الأسرية العروبة ورفعت شعارات إسلامية، وكان ذلك أحد أسباب الصدام بين العروبيين والإسلاميين بطريقة هزلية. بل إن صدام حسين خلال حربه ضد إيران استخدم شعارات إسلامية، ورفع علم العراق المحلى برمز إسلامي، تماما كعلم السعودية، مما أساء كثيرا إلى الإسلام دون أن يدري أصحاب الإساءة.

والثابت أن الحاكم العربي مشكوك في شرعيته، وأنه اعتمد على دعم الخارج وعلى القوة المسلحة، ولكنه لم يعتمد أبدا على الشعب، رغم أن هذا الحاكم يكثر ترديد كلمة الشعب في الخطاب السياسي العربي، بحيث صار معدل ترديد هذا الشعار قرينة على النظام المستبد. ثم عثر الحكام العرب جميعا على أساس جديد للشرعية، وهو القضية الفلسطينية ومعاداة إسرائيل.

ولكن الشعوب العربية كانت فعلا تؤيد الفلسطينيين وتكره إسرائيل، سواء لأنها جميعها تنتمي إلى أمة عربية واحدة، أو لأن الفلسطينيين ظُلموا، أو لأنهم يستحقون العدل والإنصاف في عصور لا تعترف بالعدل والإنصاف. وشرعية الحاكم العربي كانت مستمدة من شعارات أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى وربما الأخيرة، ثم أضاف في مرحلة تالية أن السلام مع إسرائيل سلام استراتيجي.

وكانت الصيغ المطروحة بعد فشل العرب في الدفاع عن أوطانهم ضد إسرائيل؛ تحاول أن توفق بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أرض فلسطين، في ما عرف بمرحلة التسوية السياسية، وهم يعلمون قطعا أن المشروع الصهيوني لا يعترف بالعرب والفلسطينيين، وأن قبول إسرائيل لمنطق التسوية كان خديعة كبرى. ومعنى ذلك أنه في هذه المرحلة لم يشذ حاكم عربي واحد في خطبه عن شعارات دعم الفلسطينيين، مع التمسك بالسلام مع إسرائيل.

وأشار الكتبة العرب إلى أنه ندر أن ظهر كاتب عربي في هذه المرحلة (وحتى حسنين هيكل الذي كان فيلسوف المرحلة) لتبرير الهزائم العربية وتحقيق النقلة التاريخية التي سنتحدث عنها في هذا المقال.

فالكتبة العرب قسموا العلاقة بين إسرائيل والعرب إلى مرحلتين؛ مرحلة الحروب والصراع، ومرحلة السلام، وفي كلا المرحلتين احتفظ الحكام العرب بالصيغة التقليدية، وهي دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن بينها حقه في أن يعيش بسلام مع اليهود على أرض فلسطين.

والحقيقة أن استناد الحكام العرب إلى شعارات دعم القضية الفلسطينية في حكمهم، لم تشهد حربا أو سلاما، وإنما كانت تشهد عدوانا من جانب إسرائيل وتسليما من جانب العرب.

ارتبطت هذه المرحلة أيضا بالحرب الباردة؛ حيث كانت موسكو الشيوعية هي مركز دعم هذه الصيغة، وكانت واشنطن هي مركز دعم إسرائيلي، وتبين أن النظم الصديقة لواشنطن كانت على علاقة سرية بإسرائيل إكراما للولايات المتحدة.

وهكذا، تكشفت ملامح المرحلة السابقة منذ عقد من الزمان، وبشكل أخص منذ القمة العربية في بيروت عام 2002 والمبادرة السعودية للسلام، وحصار عرفات في مقره، وانصراف الحكام العرب منذ ذلك اليوم علنا من دعم القضية الفلسطينية والسلام مع إسرائيل؛ إلى المرحلة الثانية التي نشهدها الآن، حيث اعتبر الحكام العرب أن مصادقة إسرائيل على حساب الفلسطينيين هي الورقة الرابحة مع واشنطن، تحت ستار السلام مع إسرائيل.

وقد أسهم أنور السادات إسهاما وفيرا في هذا التحول عندما أبرم صفقة كامب ديفيد، وقارن بين السلام مع إسرائيل الذي يجلب الحقوق الفلسطينية وتوفير الموارد الاقتصادية للتنمية، وبين الحرب التي تلتهم كل شيء، وهو يعلم علم اليقين أنه لم تكن هناك حرب ضد إسرائيل، وإنما كان هناك عدوان إسرائيلي دائم. فالمفاضلة بين الحرب والسلام كانت خدعة كبرى.

وهكذا، دخلنا المرحلة الثانية التي يوشك الحكام العرب أن يعتبروا فيها سلامهم المشبوه مع إسرائيل هو أساس شرعية نظامهم، وهم يدركون قطعا أن هذه الشرعية (خاصة بعد موجة الثورات العربية وتكتلهم ضدها) تصدر من واشنطن.

ومعنى ذلك، أن الشعب لم يكن في يوم من الأيام مصدر شرعية الحاكم، بل إن قهر الحكام وفسادهم دفع الشعوب إلى الانفجار في ثورات سلمية تنشد التغيير، ويتحمل مسؤوليتها الحاكم الذي أغلق كل فرص التغيير، فإذا بالحكام يهاجمون هذه الثورات ويتهمونها بما قال مالك في الخمر، وأنها مؤامرة من أمريكا ضدهم، رغم أنها هي التي تصدر صكوك الشرعية لنظامهم.

وهكذا، تقلبت شرعية الحاكم العربي بين فلسطين وإسرائيل، ولكن الإخلاص لشعارات فلسطين كان مفقودا، بينما الإخلاص بالتقارب مع إسرائيل تحرسه أمريكا، فلا يستطيع الحاكم أن يفلت من هذا الطريق، وإلا فقد عرشه. وقد رأينا كيف تُباع بعض العروش بمقابل يؤدى للخزانة الأمريكية، أو أن يكون المقابل سلوكا مواليا لإسرائيل. وهذا هو مضمون صفقة القرن التي أصبحت حجر الزاوية في التخلي عن الفلسطينيين ودعم وجود إسرائيل في كل فلسطين.

والحل عندي لهذه المعضلة يبدو خياليا ومستحيلا عند كثير من القراء؛ لأن المسافة بينه وبين الواقع هي المسافة نفسها بين السماء والأرض. والحل هو أن تنبع شرعية الحاكم من شعبه حتى دون أن يثور الشعب ضده، وأن يؤمن الحاكم بأن فلسطين جزء أساسي في الوطن العربي، وأن زرع إسرائيل في فلسطين شذوذ تاريخي واستراتيجي وسياسي، وأن هذا الحل لا يشترط فيه أن يطلق عليه حل ديمقراطي أو قومي؛ لأن هذه المصطلحات داسها الواقع العربي ومرغها في الوحل، ولكنني أسميه حلا عمليا من أجل بقاء هوية المنطقة، والتكامل بين شعوبها ودولها، والانسجام بين الفكر القومي والفكر القُطري