صبحة بغورة ومراجعات في حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ

 

تضمنت إصدارات دار النشر اللندنية E- kutub” ” لعام 2019 كتابا هاما للشاعرة والقاصة والكاتبة الصحفية الجزائرية صبحة بغوره تحت عنوان ” مراجعات حول حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ ” تناول الكتاب على مدى 255 صفحة مجموعة متميزة من المقالات انطوت مواضيعها على ثراء خاص ليس لأنه يشكل سجل أفكار ورؤى ومقاربات لكاتبة وأديبة جزائرية مرموقة بل لأنه يمسك بجوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية من زوايا مختلفة ليقدم من خلالها تحليلات موضوعية ، هادئة ، وعميقة ، تستلهم من تجارب الأمم وحياة الشعوب سر المغزى وعمق المعني ، ودلالة العبرة وخلاصة الدرس.

أنه كتاب قضايا تكاد تكون شغلا شاغلا لكل يوم ، نعيش مفارقاته أو نمسك بجمراته أو نعاني من عواقبه ، وما من قضية تناولها هذا الكتاب إلا وكتبت بقلم حار يكاد يكون صاخبا حتى لو حافظ على هدوئه لو أن يلاحظه القارئ لو أنه نظر إليه من خلال ما يعنيه من آثار صاغتها الكاتبة بعدما استخلصت الأفكار من تاريخ الشعوب وبلورتها، وصاغت المرئيات التي انتقتها لتمثل المحاور الرئيسية في علاقة السياسة بالفن والأمن والتاريخ ، وحسنا استهلت الكتاب بتناولها معنى ومفهوم الكتابة السياسية في حد ذاتها ومكانتها كقوة ناعمة باعتبارها تتبع الفعل السياسي من حيث مواكبتها لمهامه التاريخية ، ثم ساقتنا الكاتبة بين الرواية السياسية والمسرح السياسي إلى عوالم الرومانسية السياسية وفن رسائل الأزهار بدون كلمات وبروتوكولات الهدايا الدبلوماسية ، لتنقلنا بعدها بسلاسة موضوعية إلى الحديث الناعم عن الحضارة بين الفلسفة والفن ، وإبراز الدور السياسي والاجتماعي للفن ، والسياسة في ميزان الأخلاق ، وحدود حرية الإبداع ، وتحرير الرسائل بين عفوية التعبير والمهارة الأدبية ، وأدب الرحلة كسيرة مروية لإنسان غير مستقر، ومدلول الأماكن في الشعر والرواية.

إنه كتاب حوار مع السياسة ، عندما تتحاور السياسة مع كل شيء ، تارة لتطغى ، وتارة لكي تعثر على الطريق. ومن خلالها أرادت الكاتبة إظهار مدى استغراق السياسة في المجالات الفنية الحساسة والقضايا الأمنية الهامة والمواقف التاريخية الحاسمة تجاه المسائل السياسية الحرجة بأسلوب جذاب ومشوق ، فحققت ما أرادته في تمهيدها ، فكان التأكيد على أن العلاقة بين السياسة وبين كل مجالات الحياة نلمس أثرها كحقيقة راسخة في كافة مظاهر النشاط الإنساني ، وهي علاقة أزلية ستبقى ما بقي الإنسان لأنه بالأساس فاعلها ولأنه المتأثر بها، لذلك استعرضت الكاتبة نخبة من الموضوعات المتعلقة بالثقافة لسياسية

وقدمتها بشكل أكاديمي نافع للمتابعين ومفيد في بحوث طلبة المعاهد والكليات ومعدي البحوث الجامعية ، ويلبي في نفس الوقت شغف الإطلاع وحب المعرفة لدى المهتمين بالثقافة بشكل عام ، فانطلاقا من تحديد ماهية المسؤولية السياسية وضعتنا الكاتبة أمام تحديات طبيعة المناورات السياسية ، ومسؤولية الرؤية السياسية بين دواعي الوضوح ومسببات الغموض في بروز المظاهر السلبية للرداءة السياسية والتوحد السياسي والاستنساخ السياسي ، وصولا إلى إثبات أن تحول المشاركة السياسية إلى مجرد مشاهدة سياسية فقط تمثل في حد ذاتها جريمة سياسية ، تقتضي النظر بإمعان في قضايا الأمن الفكري والأمن الاقتصادي.

يضاف هذا الكتاب إلى الرصيد الفكري الإنساني لما يحتويه من قضايا دولية وعالمية تعرضت لها موضوعاته بعمق بعيدا عن الترف الفكري كالعولمة وحديث الحوارات ، والبعد الدولي والعالمي لدور الدبلوماسية البرلمانية، وقضايا الأمن الفكري ومفهوم التلوث التاريخي ، وأبعاد ودواعي المصالحة التاريخية ، ثم ينعطف بنا نحو قضايا أكثر تعقيدا من خلال بحث سبل ضمان مكانة أمن التنمية بين مشقة إقامة علاقات الثقة الدولية وبين تعثرات مسار السلم العالمي ، ومفهوم التفاوض ، والنظام العالمي بين صراع التعددية والأحادية القطبية، وجهود الإغاثة الدولية بين التسييس والتحديات ، وأهمية تحديد معايير جودة الإعلام.

يجسد الكتاب بشكل مميز للغاية حزمة مترابطة من الانشغالات صاغتها الكاتبة صبحة بغورة أفكارا قلقة هي عصارة تأملات عميقة لواقع بنية سياسية واجتماعية تسودها ثقافة لا تقبل على الإطلاق النقد في مسطح تفكيرها ،صاغتها بأسلوبها الخاص في الكتابة المتعدد الأبعاد والمتنوع الجوانب والذي يدور في كل الاتجاهات الفكرية ويتجاوز الحدود المتشابهة ، وبين خيبة الأمل والقلق ساقتنا إلى فراغ رهيب ولكن إلى حين ميسرة فوضعتنا بين حقيقة الموت الفكري والاندثار العقيدي والمذهبي الجاثمة ، وبين أمل الحياة الباقي وهي تدرك جيدا أنه لم يعد الوقت مناسبا للحديث عن الخطاب الجنائزي نحتفل فيه بجلد الذات،بل جعلت الكتاب إعلان بصوت قوي أن الفرصة الحقيقية ما تزال قائمة لتجاوز حالة الغيبوبة السياسية التي أدت إلى التصحر السياسي والسبات الإعلامي بعد ان صار الإعلام موجها اكثر من شارحا وموضحا ،وما تشكل بينهما من تيه ثقافي أدى إلى تناسل الأخطاء يعاني فيه مثقف السلطة ومثقف المعارضة على السواء من قلق الوجود ووجع الهوية وآلام الهم الإنساني ، وإذ لا توجد إيديولوجيا مسبقة على الواقع فلا واقع بلا إيديولوجيا ، والمثقف المستقل هو ناقد وصاحب فكر نقدي حر. تلكم كانت تأملات في المحطات الرئيسية التي توقفت عندها صبحة بغورة في رحلة سفرها ممتطية قلمها بحثا عن ما يمكن توظيفه لترميم وإعادة الإصلاح البنيوي العربي عبر ترسيخ مفاهيم تدعو لاستخدام العقل لا إغفاله.

تمثل موضوعات الكتاب وقفة تستنبط من وجاهة الفكرة مدى عمق المعنى وحجم واتساع دلالة الدرس لاستفزاز الإرادة وتحفيز الهمم وشحذ العزم لأنها ليست مجرد كلمات تواجه بها الكاتبة الامتحان الأزلي في رحلة البحث الدائم عن الخلود ، بل من أجل البحث عن الحياة الحقيقية بكل أبعادها الحيوية ، لذلك تضمن الكتاب الكثير من التقاطعات في سياق السعي من أجل التدقيق في الوقائع الممزوجة بإشباع القيم الإنسانية في المتعة الفكرية الراقية مع الاستفادة من التجارب. تؤمن الكاتبة صبحة بغورة بحتمية التطور لتجنب فوضى التغيير الذي يشابه في واقعه صعوبات عملية عبور سفينة مضيق الانتقال بالسلطة إلى بحر الاستقرار السياسي ، وذلك من خلال رؤيتها الشاملة والواضحة لمحاور الكتاب وانطلاقا من نهجها الموضوعي السليم ، فتراها في وسط ظلمة التخلف تتسع عيناها لترى عكس ما يراه الآخرون أو ما يراد لهم أن يروه فتغرق في أفكارها لترسم خارطة طريق في حاجة لوضع معالم تحدده ، تبين بدايته ونهايته وتميزه وتدل عليه فتشير إلى اتجاه السبيل الصحيح إليه ، فألمس أمامي حكمة التطور السلمي المتدرج

عبر المراحل ومن خلال الحوار والمشاورة وفي ظل الحضور الجليل الذي ينمو فيها مثل طوفان الرغبة للفكرة بالحضور في الكلمات ، وبروحها المليئة بالمعاني والصور لفجر البدايات ولعوالم أخرى من الحقول الواسعة للأحلام ، لقد زرعت الوعد ولم تضيع الطريق برغم تعرضها لأحداث تدور باللونين ، بين التشاؤم والاستبشار بين الخيبة والرجاء فمنحت الكتاب بعدا إنسانيا وروحا من التعايش ، ثم أكسبت أفكارها غناء بالدلالات والإيحاءات فاستفزت فينا قوة التمسك بالحياة ، وأثارت بنفوسنا الغيرة الحميدة على الوجود ، لقد تصدت بشجاعة لمؤامرات مواجه المستقبل بالماضي المقدس لتفجير الصراع الثقافي ولتقويض تحديث العقل بإثارة الحديث عن تلك المعضلة المفتعلة بين دعوات التمسك بالتراث والتشكيك في جوهر دواعي التطلع للحداثة ، إنها تعيش الحاضر مثقلة بتراكمات الماضي وبهموم المستقبل وغموضه ولكنها تعي تماما ثقافة عصرها وتتحرك بواسطتها مرشدة ومعلمة ، لقد أسست لسياسة أن ترى التباينات في كل جهة حتى تتمكن من بناء تقدير موقف صحيح وجعلها من روافد النجاح ومنبع القوة ومصدر النصر، فتحدثت عن التراث بكل ما يحمله من دلالة تاريخية وحضارية وإستراتيجية قوية في ماضي الأمة وحاضرها ، ومنها وجدت نقطة انطلاقتها المحمومة نحو التشديد على ضرورة إعادة إحياء التغييبات الثلاثة عن الوعي العربي ، العلم وقوة سلاح المعرفة والثقافة باعتبارها آلية بحث واستقصاء ونقد ، والتراث كحافظ على الهوية والأصالة ، والتضامن كشرط أساسي للوحدة الوطنية وكحائط الصد القوي أمام محاولات التقسيم ، وكم من مرة تم إخراج صراعات من طبيعتها السياسية لتعد حروبا طائفية وعنصرية.

إن الكتاب وثيقة هامة تضعنا أمام إشكالية الوعي بالوجود وسؤال الكينونة الملح في هذا الوعي ، ومع ذلك يشعرنا بالإشراقات الأولية حتى قبل أن تدخل في نطاق وعينا ، وعندما نقرأ الكلمات وهي تتناسخ وتنسخ الزمن تستيقظ فينا حواسنا فندرك حجم القوة التعبيرية المصحوبة بطاقة غامرة تبلغ ذروتها في تأكيد مطلق يمكن اعتباره البصيرة ، لقد تمكنت الكاتبة ببراعة الواثق أن تتحول في محاور الكتاب المتميزة إلى فضاء يحتوي بدفء كل العناصر وما بينها من علاقات ، وأن تمنحها المناخ الذي تفعل فيه ليكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء المشروع الجمعي الذي سبق أن جمدت الأحداث المؤلمة نشاطه وشلت المؤامرات الداخلية والخارجية حركته حتى لم يعد له ذلك الوجود الفاعل في الحياة والمؤثر في سيرورة المجتمع ، بل وتمكنت باقتدار من رسم الملامح الرئيسية للمشروع المؤسسي في نفس الفضاء الذي صنعته الأحداث بعدما لم يعد له وزن وفقد الكثير من قوة الجاذبية ، وأن تواجه في نفس الوقت بروح الواثق من سمو الهدف ونبل المقصد وشرف الوسيلة تحديات وسائل إعلام غدت مؤسسات اسطورية مهيمنة على الفضاء العام ولها القدرة المطلقة في صياغة الواقع وصناعته وتوجيه حركته نحو أهداف تصنع في غرف السياسيين .

نخلص من جملة هذه التأملات إلى أن حاجة الكاتبة وتطلعها إلى واقعية سياسية في التعامل مع متغيرات المشهد السياسي قد جعلتها فريسة لمصدومة في جوانب عديدة من واقعها في خضم رحلة استعراضها الطويلة للوجع أمام قرابين الألم سواء خلال ترصد تتابعها على مسرح الحياة ،أو في اجتهادها في توصيف الأحداث بدقة حتى أخرجت الحقيقة من صمتها ، لقد سافرت بنا بعد معاناة في مسار متسلسل إلى عدة نهايات صادمة دون أن تتخلى عن حمل بعض أفكارها أحلاما يافعة بعضها لم تتحقق بعد ، تسلمها بكل حذر لمن يقدر على حمل المشعل ، وفي نفسها شيء من التوجس تجاه جدلية العلاقة بين نظام الأفكار الذي تجاوز مجرد التباين المعبر عن التعددية والاختلاف بمعنى التنوع ، إلى ملامسة حدود

التناقض ثم التضارب ، وبين شروط النهضة ، إذ يخشى أن ينحرف دور بعض الأطراف فتخرج مساهمتها عن كونها جزء من الحل إلى جزء من الأزمة .

اشرأبت الكاتبة صبحة بغورة في كتابها ” مراجعات في حديث السياسة مع الفن والأمن والتاريخ ” نحو حزمة نور من الأمل في أبهة المفكر لتعبر عن ذات باحثة عن وجودها ، ذات ترصد ما حولها من مشاهد تراجيدية وتلم بتفاصيلها الدقيقة حتى تمتزج ذاتها المتعبة مع تشظيات المحيط لتقدم ما يلهم الناس للتوقف والشعور والتفكير والعمل من خلال بحثها المخلص الذي اتخذت له خلفية تبدو داكنة لتفسر ماضي التخلف الحضاري ثم تجعلها منطلقا لاستنطاق الواقع بكل ما يحمله من تناقضات ،ولتغوص بعدها في وجدانيات بأسلوب واقعي لتوصيف كل مقاييس العمل الجمعي المؤسسي الناجحة ، وتكون موضوعات الكتاب في مجموعها تفعيلا للتكامل المعرفي والانطلاق الحضاري ، باستعراضه الحيادي للمعوقات وللمفعلات لتشكيل ملمح للتطوير الحضاري ،كما أنه معين جيد للبحوث الاستقرائية للمسار المتأرجح بين التألق والتقلص في ترسيخ الهوية ومواجهة التحديات المعاصرة ،ومع ذلك يبقى العمل النقدي أمر لازب لمن رام الترشيد الهادف والتمحيص الجاد.

* صبحه بغوره ، متزوجة وأم لثلاثة أطفال ، تعود بداية نشرها للأعمال الأدبية شعر وقصة قصيرة إلى عام 1999 في معظم الصحف والمجلات الجزائرية ثم اتجهت لتولي مسؤولية تحرير وإعداد صفحة يومية تعنى باهتمامات الأسرة وقضايا المرأة وعالم الطفل في الصحف اليومية “الصباح الجديد” و”النهار” و”الشروق” وأثرت صحيفة ” الحقائق” الأسبوعية بعمود الرأي الشهير “فضفضة” ثم انتقلت سريعا لنشر الشعر والقصة القصيرة في الصحف والمجلات العربية السعودية والقطرية والكويتية والإماراتية والبحرينية والعمانية واللبنانية والسورية والمغربية والعراقية… ثم اتخذت الكاتبة صبحة بغورة منحى آخر باتجاهها إلى كتابة المقالات خاصة المتعلقة بالثقافة السياسية والقضايا التربوية في المجلات العربية المتخصصة حيث نشرت عشرات المقالات حول الثقافة السياسية في مجلة “الدبلوماسي”السعودية التي تصدر عن وزارة الخارجية السعودية،ومجلة “الأمن والحياة ” التي تصدر عن جامعة نايف للعلوم الأمنية ، ومجلة ” آراء الخليج ” الصادرة عن مركز دراسات الخليج ، وقد أصبحت هذه المقالات مراجع مدرجة بالمستودع الرقمي في العديد من الجامعات الجزائرية في ولايات المسيلة وتلمسان ، وبالجامعات العربية في السعودية ومصر والسودان والأردن والكويت والبحرين ..

صدر للأستاذة صبحه بغوره ديوانين شعر بعنوان ” إمراة أنا ” وآخر ” لأني أحب ” احتويا على عشرات القصائد الشعرية التي تكشف بكل كبرياء عن مكنونات المرأة العاطفية ،وتبوح بوحا جميلا بأسرار أنوثتها عندما تحب ، هذا إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان ” وخزات على جراح مفتوحة ” صدرت عن مجلة ” الرافد” الإماراتية احتفاء بإسهامات الكاتبة صبحة بغورة على مدى سنوات طويلة في إثراء صفحات المجلة بإبداعاتها الأدبية وتضمنت هذه المجموعة القصصية أعمالا توصف “بالمؤلمة ” لأنها تناولت بعمق الجوانب الإنسانية والاجتماعية لإفرازات واقع مأسوي خلال فترة مريرة ،وللكاتبة العديد من الحوارات الصحفية المنشورة حول تجربتها في مجال الشعر والقصة ونظرتها إلى قضايا الثقافة العربية ، وحصلت على تكريم خاص من المرصد الجزائري للمرأة الهيئة الاستشارية لأكاديمية المجتمع المدني بالجزائر عرفانا لما قدمته في حقل تخصصها.

وتصدر دار النشر اللندنية ” أي ـ كتب” الكتاب بالشكل الورقي والالكتروني ، وتتولى وكالة ” أمازون” الأمريكية توزيع النسخ الورقية ، أما النسخ الالكترونية كل من” غوغل بوكس” و” كيندل” و “بلاي

ستور” ويمكن شراء النسخة الالكترونية عن طريق الرابط الموجود بصفحة المؤلف في موقع linked in الذي ينقله مباشرة إلى صفحة الشراء عن طريق “باي بال ”

علي محمد صدقي