عندما تستنجد إسرائيل بالحكام العرب على الشارع العربي

ليس هناك أدنى شك أن الأنظمة العربية وحتى الإسلامية وكفلاءها من الضباع الكبار الذين يحكمون العالم، قد فعلوا الأفاعيل ولم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها لإخضاع الشعوب العربية والمسلمة، وتطويعها كي تبصم على مخططاتهم وتقبل بفرماناتهم وسياساتهم.

وما رأيناه من تنكيل وتعذيب للشعوب العربية التي ثارت من أجل أبسط حقوقها في سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن ومصر وتونس والجزائر والسودان وفلسطين، كان مثالا صارخا على أساليب التطويع والتركيع والإذلال التي مارسها الطواغيت العرب، بضوء أخضر ومباركة لا تخطئها عين من كفلائهم في تل أبيب وواشنطن وموسكو وباقي عواصم القرار في العالم.

لقد كان الهدف الرئيسي من وراء التنكيل بالشعوب عن طريق القتل والتهجير والتخريب والاعتقال، دفعها إلى الكفر بكل شيء، بوطنيتها وعقائدها وأخلاقها وقضاياها. ولا شك أن العديد من الأنظمة والطغاة العرب، أدّوا دور الجلاد في هذه اللعبة القذرة بدعم من أسيادهم كي تخرج الشعوب من جلودها، وأن تكون كالعجينة الطرية في أيديهم يصوغونها كما يشاؤون لخدمة مخططاتهم واستراتيجياتهم الشيطانية.

لا شك أن الشعوب في بعض بلدان الثورات باتت تترحم على الوضع الفلسطيني، لما لاقته من ويلات في بلادها على أيدي القتلة والمجرمين من حكامها وأبناء جلدتها. لكن أليس من الخطأ الفادح أن تعتقد الشعوب أن الوضع الفلسطيني بات أفضل من وضع السوريين واليمنيين والليبيين والسودانيين؟ أليس من السذاجة كيل المديح للاحتلال الإسرائيلي وتصويره على أنه حمل وديع مقارنة بالطواغيت العرب؟ ومن قال لكم إن أنظمة الغدر والعمالة والخيانة التي أوصلت شعوبها إلى هذه الأوضاع الكارثية، ليست مجرد أدوات قذرة في أيدي الإسرائيلي والأمريكي وكل من يناصب الفلسطيني وقضيته العداء في العالم؟ من قال لكم إن القضية الفلسطينية منفصلة عن القضية السورية والعراقية واللبنانية والسودانية والجزائرية واليمنية؟ لا أبدا، بل هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقضية الفلسطينية؛ أم القضايا العربية جمعاء. ومغفلون من يتقربون من إسرائيل بحجة أن حكامهم صاروا أسوأ منها في الاحتلال والتنكيل والتعذيب والتدمير، وليعلم هؤلاء المغفلون أن لا فرق بين الطاغية العربي الذي يسوم شعبه أسوأ أنواع العذاب، وبين المحتل الإسرائيلي، فكلهم عصابة واحدة همها سلخ الشعوب من ثقافتها وعقائدها وقوميتها وجعلها تكفر بكل قضاياها. لاحظوا أن الذين يتفاخرون بالتطبيع مع نتنياهو، هم أنفسهم الذين يطبعون الآن مع طاغية الشام، بعد أن حقق لإسرائيل كل أهدافها التدميرية في سوريا.

لكن على الرغم من ضخامة المُصاب في بلاد الربيع العربي، وعلى الرغم من وحشية بعض الأنظمة الأخرى التي تضرب عرض الحائط بمواقف شعوبها وعقائدها، وترتمي في الحضن الإسرائيلي (عمّال على بطال) دون حتى أبسط مقابل، إلا أن إسرائيل على لسان رئيس وزرائها الشهير بنيامين نتنياهو، تتفاخر بفتوحاتها التطبيعية مع الأنظمة العربية، لكنها في الوقت نفسه تشتكي ليل نهار من أن كل سياساتها وتحالفاتها مع الطواغيت العرب لتركيع الشعوب العربية والإسلامية وتطويعها ودفعها إلى أحضان الاحتلال، قد باءت بالفشل.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد قال قبل فترة في مقابلة تلفزيونية؛ إنه لا يمكنه الإفصاح عن عدد «زياراته السرية» لدول عربية. وأضاف: «إذا أخبرني أحدهم قبل 10 سنوات أننا سنصل إلى وضع تكون لنا فيه علاقات تتوطد باستمرار مع كل الدول العربية، باستثناء واحدة أو اثنتين، لقلت له إن ذلك مجرد أحلام يقظة، لكن هذا ما يحدث اليوم… لا يمكنني أن أخبرك كم مرة زرت فيها الدول العربية»، مستدركا: «لكن صدقني هناك ما هو أكثر بشكل متصاعد». وتابع أن التطبيع مع الدول العربية يتزايد بشكل كبير، «ليس فقط بسبب التهديد المشترك، ممثلا في إيران، بل أيضا بسبب شغف الدول العربية بالتكنولوجيا الإسرائيلية وبالزراعة الإسرائيلية».

لكن فرحة إسرائيل لم ولن تتم مطلقا، فقد عاد نتنياهو ليكتب على «تويتر» قبل فترة أن «أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا، بل هو الرأي العام في الشارع العربي الذي تعرض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز»، مما جعلها ترانا بهذه الصورة التي يصعب معها توسيع دائرة السلام. وهنا يعترف نتنياهو بألم شديد أن كل ما فعله بالتعاون مع حلفائه من الطواغيت العرب، فشل في تطويع الشارعين العربي والإسلامي وتركعهما فيما يخص التطبيع مع إسرائيل. وهو يخشى أن عاقبة التطبيع دون تهيئة الرأي العام لم تكن حميدة لكل زعماء الدول الإسلامية الكبرى، وقد تضطرهم للإفراط بالقمع الذي يؤذن بزوالهم.

لاحظوا الآن أن السوريين رغم كل ما تعرضوا له من بطش وقتل وتهجير على أيدي كلب حراسة إسرائيل لم يندفعوا للتطبيل والتزمير للإسرائيلي، لأنهم يعرفون أن نظامهم مرتبط أصلا بالمشروع الإسرائيلي، وما فعله في سوريا يصب في خدمة إسرائيل قبل أي جهة أخرى.

أما بالنسبة للشارع العربي الأوسع، فقط انظروا الآن إلى موقفه الرافض للتطبيع من خلال تنديده وشجبه لكل محاولات التطبيع المفضوحة عبر المسلسلات التلفزيونية الخليجية وغيرها. ‏وهذا يؤكد، كما يقول أحد المغردين، أنه «حتى لو نجحت إسرائيل في التطبيع وتطويع كل العرب، وحتى لو عقدت ألف معاهدة ومعاهدة مع الأنظمة العربية والسلطات الفلسطينية المتعاقبة، لكنها لا تستطيع أن تلغي قضية فلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص، لأنها قضية حوالي مليار ونصف المليار مسلم، وهي تعيش في قلوبهم وأفئدتهم مهما تعرضوا للضغط للتخلي عنها». ويضيف مغرد آخر: «‏دعكم من الحكومات العربية، فلتسقط في حضن إسرائيل، دعكم من السلطة الفلسطينية، دعكم من المطبعين، فكلهم كغثاء السيل لا يستطيعون أن يقضوا على قضية فلسطين، ولا أن يمحوها من قلوب الأمة الإسلامية من طنجة حتى جاكرتا. القدس ليست قضية سياسية تسوّى بالمفاوضات، بل قضية دين وعقيدة وإيمان، ولو تمت تسوية القضية سياسيا، فإنها ستبقى تغلى عقائديا في قلوب الأمة دائما وأبدا». وإذا كان للأنظمة ضروراتها، فإن للشعوب خياراتها.

Almassae