عندما “تهدّد” طائرات ورقية الردع لدى الاحتلال

فوض المجلس الوزاري المصغّر في دولة الاحتلال الإسرائيلي (الكابينت) الجيشَ بالردِّ العسكريِّ على كلِّ طائرة ورقيَّة، أو بالونٍ حارق، يُطلَق من قطاع غزة، تجاه الأراضي الزراعية في “إسرائيل”. وكان رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قد نفى، في وقت سابق، أن تكون حكومته قد وافقت على اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، لا يشمل شرط وقف إطلاق الطائرات الورقية الحارقة. وفي المقابل، قال رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، “إن المقاومة لن تسمح بفرض قواعد اشتباك جديدة”، بعد أن انتهجت المقاومة في غزة قاعدة “القصف بالقصف”. وشدّد على أن “مسيرات العودة ستستمرّ أشدّ وأقوى، حتى يرفع الحصار”، فالذهاب إلى العدوان والتصعيد لا يزال قائما، ما لم يُتوصَّل إلى حلٍّ وسط، وما لم تغلِّب دولة الاحتلال اعتبارات التهدئة، وفرص إبرامها، وهي التي قد تضمن الهدوء سنوات، على اعتباراتٍ لا تستند إلى خطة واضحة، ومضمونة، فيما يتعلق بمستقبل “حماس”، ومعقولية القضاء عليها.

ومن المعروف عن العقلية الاحتلالية استئثارُ الأبعاد الأمنية بتوجُّهاتها وقراراتها، على حساب الاعتبارات السياسية، ومتطلَّبات العلاقات الدولية والإقليمية. وهذا يتجاوب مع الشعب في تلك الدولة المؤسسة على الاحتلال، وعلى الخوف الدائم من محيطها الذي تدرك أنَّ عدوانيتها وتاريخها الدموي يحدِّد له نظرته إليها.

هذا الشعب يُعْلِي، دوما، الشخصيات الأمنية والعسكرية على السياسية، مهما بلغ إخلاصُها وخبرتها، وهو بالتالي أكثر ميلا إلى من يرفع الصوت، ويلوّح بالقوة، وبمَن ينهج قاعدة “ما لا يأتي بالقوة يأتي بمزيدٍ من القوة”. هذا هو حاله الغالب عليه، في هذه المرحلة، بعد تعمُّق الاتجاهات المتطرِّفة والعنصرية في كيانه، مجتمعا، وجيشا، وقضاء، متوجَّا بما يسمَّى “قانون القومية” الذي يلقى انتقاداتٍ دولية، من جديدها ما جاء على لسان سفير الاتحاد الأوروبي، إيمانويل جوفري، الذي حذّر من أنَّ “قانون القومية” يضرّ بمكانة إسرائيل، وتفوح منه رائحة عنصرية، فما كان من حكومة الاحتلال إلا أنْ استدعته للتوبيخ.

هذه العقلية المهجوسة بالردع تجعله المُحَرِّك الأقوى، مع أنّ ثمة وسائل أخرى يمكن الضغط بها على “حماس”، والفلسطينيين في قطاع غزة، وهي قائمة فعلا، بالحصار، ابتداءً، بإغلاقات مَعْبَر رفح، في الفترات السابقة، وتدمير الأنفاق، وصولا إلى إغلاق معبر كرم أبو سالم، المعبر الرئيس للبضائع إلى القطاع، والذي يصدِّر منه القطاع منتجاته، (منها منتجات مصانع الخياطة، حيث يتهدَّد نحو ألفي عامل بالتسريح منها) الأمر الذي يزيد المعاناة المعيشية القاسية، أصلا.

أين هاجس الردع من التصعيد أخيرا على قطاع غزة؟ في تفاصيل الاعتداء الإسرائيلي أخيرا على القطاع استهدافُ الاحتلال مبنى من خمسة طوابق، وبحسب ادعاءات جيش الاحتلال كانت “حماس” تستخدمه منشأة تدريب، وكان يقع فوق نفقٍ يؤدِّي إلى شبكة أنفاق ضخمة. في المقابل، أطلقت المقاومة حوالي مائتي صاروخ، باتجاه “جنوب إسرئيل” لم تعترض القبَّة الحديدية منها، وفق وسائل إعلام عبرية، إلا ثلاثين. وأما “حماس” فلم تشأ استخدام صواريخ بعيدة المدى، نسبيا، واقتصرت على استهداف مستوطنات غلاف غزة، على الرغم من أنها قادرة على الوصول إلى مناطق احتلالية مكتظَّة. وبالطبع لم يبالغ جيش الاحتلال، أيضا، في نطاق اعتداءاته في القطاع.

والمستفزّ الأكبر للاحتلال تمثَّل في مسيرات العودة، وما تخلَّلها من أعمال مقاومة بسيطة، كالطائرات الورقية الحارقة، والبالونات المشتعلة، لكن دولة الاحتلال أظهرت ارتباكا واضحا، وعجزا عن أساليب ناجعة لمواجهتها، حتى الآن، وهنا المفارقة: هل تستحقُّ طائرات ورقية حربا بأحدث الطائرات المقاتلة والصواريخ بالغة التدمير؟ أم هل يستحقُّ ذلك مقترحات جدية بالعودة إلى سياسة الاغتيالات ضد قادة “حماس”، كما دعا وزير الحرب الأسبق عامير بيرتس؟ هل هكذا يكون الردع، وتعاد إلى دولة الاحتلال هيبتها المُراقة على جوانب القطاع؟

وفي العمق، تقلق دولة الاحتلال البنيةُ العسكرية التحتية لحركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، وعلى الرغم من أن الإشارات تتابع على أن حركة حماس لا تريد حربا في هذه المرحلة، كما أكّد رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، السفير القطري محمد العمادي، إلا أن الاحتلال يعلم أن “حماس” عظَّمت قوَّتها العسكرية، وهو ما أكّده، أيضا، العمادي الذي قال إن الحركة باتت تمتلك قوة عسكرية أقوى من الماضي، وأنَّ إسرائيل ستواجه صعوبات كبيرة في حال اندلاع أي حرب جديدة، هذه المرَّة.

لقد أملت دولة الاحتلال أن تخدع العالم بانسحابها من قطاع غزة عام 2005، لكنها كانت تهدف إلى الارتياح من تحمُّل مسؤولياتها، بوصفها دولة احتلال، فضلا عن رغبتها في تفادي خسائرها الناجمة عن المقاومة الشرسة، وهي في الواقع لم ترفع عن القطاع قبضتها الاحتلالية، ولا تحكُّمها البرِّي والبحري. وهذا ما وضَّحه مايكل لينك، مقرِّر الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تعليقه على إغلاق الاحتلال معبر كرم أبو سالم: “إسرائيل لا تزال تحتفظ بالسيطرة الفعلية على غزة. ولذلك يجب أن تظل قائمة بما يترتب عليها من واجبات ومسؤوليات صارمة، بموجب القانون الدولي”. .. الخيارات، أمام دولة الاحتلال، ليست سهلة، والتأرجح قائم بين الاعتبارات الأكثر واقعية، من جهة، والاعتبارات التصعيدية، المزايدة، لأسباب سياسية تنافسية، أو لمعتقدات دينية وقومية متطرِّفة.