عندما ينكسر ظهر المواطن

باتت الصورة الذهنية المرسومة عن المنطقة العربية مرتبطة بعنوان كبير وعريض هو البؤس بمعناه الواسع سواء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وقبلها النفسي.

وقلما تجد منطقة في العالم أكثر بؤسا من تلك البقعة من العالم. وقلما تجد كل ملايين الجوعى يتجمعون في منطقة واحدة مثلما يتجمعون داخل منطقتنا خاصة في اليمن وسورية والسودان والعراق والصومال وغيرها.

ومن تحت كلمة البؤس البائسة أصلا تخرج كلمات كثيرة أكثر ازعاجا للمواطن منها الأزمات والفقر والتعثر والحرمان والقهر والعوز والجوع والضنك والمشقة والعناء والنكد والضيق والشقاء.

ومع تزايد منسوب البؤس في مجتمعاتنا تظهر ملامح أكثر خطورة على وجوه ملايين الفقراء الذين باتوا يعانون من ظروف معيشية قاسية، ومن غلاء فاحش وقفزات متواصلة في الأسعار لا ترحم حتى المنتمين إلى الطبقة المتوسطة الذين تآكل عددهم خلال السنوات الأخيرة وتدحرج معظم المنتمين إليها نحو الفقر، كما يشكون من فرص عمل نادرة ودخول محدودة، ومن ضغوط اجتماعية وحياتية.

وبسبب البؤس تخرج كل الأزمات التي يعاني منها المواطن، وأول مسببات البؤس الأسباب المالية والاقتصادية حيث الغلاء المتوحش.

ففي كل دول المنطقة باتت تتردد كثيراً كلمة التضخم سواء للسلع والخدمات وبلا استثناء، تضخم ليس قاصرا فقط على السلع بما فيها الغذائية والحياتية والمنزلية، بل تجد تضخما في كل شيء، في أسعار الوقود سواء بنزين أو سولار أو غاز، وفي أسعار المياه والكهرباء والضرائب والجمارك والرسوم الحكومية، في كلفة المحررات الرسمية مثل جواز السفر وشهادات الميلاد ورسوم المرور والمباني والتسجيل في الشهر العقاري وغيره.

تضخم أيضا في حجم الدين العام، سواء الخارجي أو الداخلي، تضخم متواصل في عجز الموازنات العامة للدول رغم حديث الحكومات المتواصل ووعودها التي لا تتوقف عن كبح هذا التضخم.

تضخم في العملات المحلية حيث تهاويها المستمر مقابل الدولار، واكبر دليل ما يحدث لليرة اللبنانية والليرة السورية والريال اليمني والجنيه السوداني وغيرها من العملات العربية.

حتى التضخم امتد للإنفاق الحكومي حيث الإسراف الشره وشراء الطائرات وأساطيل السيارات الحديثة وإقامة المقار الحكومية الفاخرة والقصور الفخمة رغم الفقر ومحدودية الموارد، وعدم مراعاة الحالة الاقتصادية والمعيشية لملايين المواطنين الذين تنهشهم أمراض اجتماعية خطيرة منها الفقر والبطالة والفساد.

وهناك سوء توزيع للثروة تلحظه في كل ركن سواء في الدول الثرية مثل دول الخليج، أو في دول لديها موارد نفطية ضخمة مثل العراق والجزائر وليبيا، أو في دول لديها أزمات اقتصادية أو فقيرة الموارد، حيث هناك نسبة 5% التي تسيطر على نحو 95% من الثروات.

في المنطقة تجد بؤسا من نوع آخر حيث انتشار الاحتكارات، وتركز الثروة في يد عدد محدود سواء الطبقة الحاكمة أو رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة

المنطقة العربية تعد أكثر المناطق التي تتواجد بها مخاطر جيوسياسية، فهناك الحروب والقلاقل السياسية والأمنية، وهذه مستمرة منذ سنوات في سورية واليمن وليبيا والعراق والصومال، ومخاطر داخلية مثلما هو الحال في لبنان وتونس، وتوترات مستمرة بين إيران من جهة والدول العربية خاصة دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، وتوترات بين إيران ودولة الاحتلال ينعكس على دول المنطقة.

في المنطقة العربية يتجذر الحكم العسكري يوما بعد يوم، وهو ما يرفع مستوى البؤس خاصة أنه يصاحبه إصرار على الهيمنة على نظام الحكم والثروات، وحتى السيطرة على العباد عبر إعمال القبضة الحديدية ومصادرة الحريات العامة، وقتل أي ملامح للدولة المدنية الحديثة .

في المنطقة العربية هناك بؤس من نوع آخر ينعكس مباشرة على حياة المواطن، وهذا البؤس يتعلق بالخلافات على الحدود، والأمثلة كثيرة منها ما يحدث بين الجزائر والمغرب، والخلافات بين الأنظمة وهو ما ظهر بشكل واضح في الأزمة الخليجية الأخيرة وحصار قطر في منتصف العام 2017.

هل تقف نتائج هذا البؤس عند حدود القهر النفسي للمواطن وانحناء ظهره المستمر والخوف من السلطة الحاكمة، أم يخرج للعلن في شكل احتجاجات وتظاهرات غاضبة كما حدث في كازاخستان مؤخرا حيث هناك دولة ثرية تمتلك كل الموارد.

وفي المقابل شعب فقير يعاني من كل أنواع البؤس بسبب وجود سلطة حاكمة مستبدة مدعومة من روسيا، سلطة تسيطر على الثروات والموارد منذ استقلال كازاخستان عن الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات، ولنا عودة لهذه النقطة.

Almassae