عن المقاهي في المغرب

  • مهدي زمردح- كاتب ومفكر مغربي وطالب باحت

بينما كنت أتجول في الشارع إذ لفت انتباهي امتلاء المقاهي بالناس والأصوات العالية ممزوجة بدخان السجائر وبعض الأصوات المخلة بالآداب. ومن هنا جاءت فكرة كتابة مقال عن المقاهي في المغرب للتفشي هذه الظاهرة في المجتمع المغربي والعربي أجمع، والمغالطات والأكاذيب التي تمرر خلال الأحاديث الطوال من التهكم على أحوال الناس وعيوبهم.

وكما قال عالم الاجتماع علي الوردي: المجتمع الذي ينكر وجود مرض فيه، كالمسلول الذي ينخر المرض في رئته، وهو يأبى أن يستمع إلى ما ينصحه به الطبيب’. فقط من باب الملاحظة أن مشروع مقهى وتسييره في المغرب هو مشروع مربح بعد دراسة معمقة للمشروع. لذلك فهذه دعوة لمن عنده بعض من المال الزائد ويحب أن يستثمره، فهذه الفرصة، لأن المغاربة لم يعد لهم شيء ليفعلوه سوى اللجوء إلى المقاهي، وتضييع الوقت في النميمة والقيل والقال.

والمقاهي في المغرب أنواع منها مقاهي النرجيلة (الشيشة)، حيت بعض الطبقة من الشباب يفضلون قضاء وقتهم، وكذلك كمية الضياع النفسي التي توفرها تلك المقاهي، وفضلًا عن ذلك مقاهي الطبقة المثقفة العاطلة عن العمل التي لم تجد خيارًا غير ارتياد المقاهي لمناقشة الأحوالهم المتردية للسياسة والدولة تجاههم، وطبعًا لا ننسى مقاهي الطبقات الراقية التي يغلب عليها طابع الهدوء والجو الكئيب أحيانًا، وهنالك أنواع أخرى لا يمكن الوصول إليها نظرًا لموقعها الخطير والسري كمقاهي القمار والخمر إلى آخره.

قبل أن أبدأ في الغوص إلى الموضوع أود أن أضيف أن ليس كل من يرتاد المقهى شخصًا تافهًا أو منحطًا. وإنما القضية في الكمية الهائلة الجالسة على المقاهي لساعات طوال. للأسف هؤلاء هم الذين تخلفوا عن الركب، وظنوا أنهم يقودون القافلة. وتسليمهم بالأخبار الزائفة والصحافة الصفراء، وأخيرًا وليس آخرًا البروباجاندا التي تهدد عقليتهم وفكرهم تنشر بينهم خطر اندثار.

إن امتلاء المقاهي في المغرب إنما يعبر عن سببين اثنين، هما: الأول أن الناس لم يجدوا ما تفعل سوى الارتياد المقاهي والثاني أن الناس قد حصلوا، واستوفوا جميع العلوم الدينية والدنيوية وتوجهوا للمقاهي لمناقشتها، وهذا بعيد لا عقليًا، ولا علميًا، ولا حتى عالميًا؛ كوننا دول عالم ثالث، وفي طور النمو وضعوا تحت كلمة نمو 100 خط. إذًا السبب الأول هو الأكثر وضوحًا منطقيًا، وهذا يمكن لمسه في الواقع والشارع المغربي، عندما تجد أناسًا قد رسخوا لأنفسهم مهنًا تقتضي منهم الجلوس وعدم الالتزام بآداب الجلوس في الطريق كغض البصر وكف الأذى.. وإنما كرسوا أنفسهم لخدمة جهلهم المعرفي وتتبع عيوب الناس ونسوا عيوبهم والعياد بالله. وكأنهم نقاد فيحقرون هذا في لباسه، ويسفهون هذا في مشيته، ويقدفون ويرمون طبعًا من جهلهم، وليس بعلمهم، قاتل الله الجهل والجاهلين، هكذا علق على المقاهي المغربية وسام السلبية. اما الطامة الكبرى فأن تجد هذا المرض قد تفشى في صفوف الشباب الواعي أحيانًا، كيف لا وهم قد فضلوا الجلوس في المقاهي على مجالسة الكتب وتفضيل الحديث عن النساء بمختلف وشتى أنواع اللفاظ الإباحية عن النقاشات العلمية، والدنو بنقاشات إلى الرجعية والخوض في النقاشات الواهية التي لا ترقي إلى مستوى الفكر النقي.

نجمل القول إن قضية المقاهي في المغرب قضية جتماعية خطيرة تهدد الوعي العام في صفوف الطبقات غير المثقفة، وإن كانت هذه الأخيرة لا تسلم من مقولة (الإنسان بن بيئته)، إن محتوى هاته الفكرة كجزء من مشاكل المجتمع المغربي قد تؤثر على النمو والنضج الفكري للإنسان العاقل، وقد تؤخره عن مواكبة السير نحو الأفضل الذي لطالما كان مبتغى الشعوب الطامحة إلى التعليم والتعلم والإنتاج الأكثر في جميع المجلات العلمية التي تيسر حياة الفرد في محيطه. وفي مقابل عدم التمسك بالقيم يزرع في المواطن فكرًا متخلفًا نمطيًا يخلو من الموضوعية والعلمية التي يحتاجها أي خطاب لتطور المستمر ليتأقلم مع متطلبات العصر.