عن جدلية الإعلام والسياسة: عود على بدء

جدلية العلاقة بين الإعلام والسياسة في الوطن العربي لا تختلف كثيرا عن تلك التي قد نلاحظها أو نعاين تموجاتها في الدول الديمقراطية، أو كما قد تبدو لنا وتتبدى من الناحية النظرية الخالصة. قد يختلف السياقان من حيث الدرجة، لكنهما لا يتمايزان كثيرا من حيث الطبيعة والخاصيات.

ولذلك، فإننا نزعم بأن إشكالية تحرير الإعلام المحيلة، بهذا الشكل أو ذاك، على تحرير المجال السياسي، إنما تفيد بداهة بوجود روابط موجبة وأخرى سالبة، حسب السياق الذي تعتمل ذوات الروابط من بين ظهرانيه:

أولا: لكي تكون العلاقة موجبة، فإنه لا بد من توافر بنيان عام (أو الفضاء العام بلغة علماء الاجتماع) يتبارى من بين أضلعه فرقاء بمجالات فعل مفتوحة ومحررة، ولا يأتيها الإكراه إلا من باب إعادة التقنين والتنظيم والتأطير، أو لنقل من باب تحديد قواعد اللعب.

وجود سوق إعلامي حر، وفق هذه الصيغة، يمكن أن يسهم (أقول يسهم) في انفتاح “السوق السياسي”، حكومات وأحزاب ونقابات، كشرط ضروري، لكنه لن يكون كافيا إذا كان ذات الانفتاح عصيا أو مراقبا أو لا تتوفر القابلية لدى الثاوين خلفه لفتح مجاله بما يكفي.

ثانيا: لو سلمنا بقدرة تحرير الإعلام على تحرير المجال السياسي (العربي وغير العربي)، فهذا يستوجب منا التسليم باستقلالية المستويين معا، وإلا لما استقام الحديث عن فعل وعن فاعل. فالمستوى السياسي هو العنصر الأساس للتأسيس للفضاء العام، وهذا الأخير لا يمكن أن يكون بنيانا للنقاش والتباري إذا لم “يسقه” المستوى الإعلامي بالمعلومات والبيانات والمعطيات والمعارف وما سواها. هذا شرط ذاك، لا بل عنصر تجسده في الزمن والمكان.

إن طفرة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصال لم تسهم فقط في توفير ما يحتاجه الفضاء العام من معلومات وبيانات ومعطيات، بل أسهمت أكثر في سهولة النفاذ إليها وولوج قواعدها بيسر. وهو ما لم يكن مباحا أو متاحا في ظل وضعية زمن الندرة الذي كان يثوي خلف لاتوازنات كمية ونوعية بين الفاعلين، بحكم تعذر الوصول للمعلومات، أو الوصول إليها بأشكال غير متوازنة، فما بالك أن تكون منصفة لكل الفاعلين.

ثالثا: عندما يكون المجال السياسي مفتوحا والفضاء الإعلامي محررا، فإن دور الرأي العام يكون وازنا وذا قيمة تأثيرية كبرى. لا يستطيع الفاعل السياسي ولا الإعلامي والحالة هاته، أن يعمدا إلى استراتيجيات التنميط والقولبة. توفر المعلومات يتيح لمكونات الرأي العام أن تميز وتقارن وتختار، ثم تحدد اختياراتها ومواقفها عن سابق معرفة وإدراك.

وبقدر وجاهة الروابط الموجبة، فإن ثمة بالوطن العربي أيضا، عناصر سالبة تحول دون أن تأخذ الجدلية إياها شكلها ومضمونها الحقيقيين:

– فالمجال السياسي العربي لا يزال، بوجه عام، إذا لم يكن مغلقا تمام الإغلاق، فهو محاصر من لدن هذا المستوى المادي أو الرمزي أو ذاك. بالتالي، فحتى بالتحرر النسبي للفضاء الإعلامي، فإن الجدلية تبقى مرتهنة ورهينة اعتبارات لا يستطيع الفاعلون تجاوزها.

لذلك نجد بدول عربية عديدة مجالا إعلاميا مفتوحا، لكنه لا يستطيع الإسهام في “تحريك” سكونية المشهد السياسي. يعطي هذا الأمر انطباعا باستقلالية ما بين المجالين، لكنها استقلالية سلبية ما دامت لا تصب في خانة التأثير والفعل.

– ثم إن المجال السياسي لا يزال يشكو من تعذر سبل استنبات فضاء عام تخصص مساحاته للتباري الحر، والتدافع بالارتكاز على تباين الأفكار والرؤى والتصورات والتمثلات، دون أن يذهب الأمر لحد تناقضها وتنافرها وبروز التمنعات من بين ظهرانيها.

لذلك، نجد أن ما يسميه دومينيك فولتون بالإكراه (وهو معطى موجب بنظره)، يتحول إلى تضييق للخناق على الفرقاء، الإعلاميين والسياسيين سواء بسواء، وذلك من خلال تجميد بنود الدساتير الدافعة بذلك وتصريفها على شكل قوانين وتشريعات تضيق المجال وتعمد إلى إعمال لوائح الرقابة والحصار.

– أما الرأي العام، فيبقى “ظاهرة” هلامية، ومفردة سوسيولوجية مجردة وغير ذات معنى كبير. قد نسلم بكونه بات أكثر إطلاعا على مجريات الأمور، بفضل وفرة المعلومات ويسر بلوغها، لكنه يبقى مقابل ذلك، مستوى من المستويات التي لا يرتكن إليها إلا نادرا عند اتخاذ القرار.

نعود ونؤكد بأن: تحرير الإعلام لا يمكن أن يكون سبيلا لتحرير المجال السياسي العربي إلا إذا تم الوعي بأن المستويين معا هما المدخل للتأسيس للفضاء العام، وفسح المجال أمام تكريس القيم الديمقراطية وثقافة الحوار.

وعلى الرغم من وجود بعض “بقع الضوء” هنا أو هناك، فيما يتعلق بحركية القطاع الإعلامي وانفتاحه على شتى ضروب الفعل والتفاعل، إلا أنها تبقى رهينة سعة وتفتح الفاعل السياسي. السياسة في الوطن العربي هي المفتاح العابر الذي لا بد من تليينه، كي يفسح في الأفق لباقي المجالات المجاورة له… هذا طرح من باب المأمول… أما القائم فهو يحتكم إلى اعتبارات أخرى، لعل أكثرها تجليا: استمرار ثقافة الاستبداد والحجر على الرأي الآخر.