في الشام.. مجازر ومسالخ بلا إعلام

للإعلام دور علني وآخر خفي، فالعلني ينقل ويرصد الحقيقة، ويضع جميع الأطراف عند مسؤولياتها، والخفي يحاسب ويحاكم الأطراف جميعها على مدى التزامها بأخلاق الحرب والقتال، أتذكر هذا ونحن نرى غيابا كاملا تقريبا لوسائل الإعلام العالمية عن المجازر الجماعية والمسالخ التي تشهدها الشام لسبع سنوات، فربما سيسجل التاريخ الإعلامي أنها من الحروب النادرة في التاريخ التي لم تنل تغطية إعلامية مباشرة، ولا تواجدا لإعلاميين ومؤسسات إعلامية كبرى لنقل ما يجري هناك من مجازر ومذابح بحق شعب أعزل أسلمه الكل للكل.

في عام 1994، كنت أغطي الحرب الأفغانية لصالح صحيفة الحياة اللندنية، وتصادف أن كنت يومها في قاعدة شندند العسكرية قرب قندهار، والتي كانت تعد من أضخم القواعد الجوية في المنطقة، وتحت سلطة الحزب الإسلامي، بزعامة قلب الدين حكمتيار، الذي يخوض يومها حربا ضد الميليشيات الأوزبكية الشيوعية، وبينما كان مقاتلو حكمتيار يتحدثون للإعلام الغائب عن القاعدة بأنها تتعرض لغارات جوية من طائرات دوستم، كان الأخير ينفي ذلك، ومع وجودي كان الشاهد الثالث قد قطع قول كل فصيل، فنقلت للصحيفة التي كانت وسائل الإعلام العالمية تنقل عنها ما أبرقه، بأن القاعدة تتعرض بالفعل للقصف الجوي من مقاتلات دوستم، فتوقف القصف خلال فترة وجودي هناك، تذكرت هذه القصة وأنا أرى غياب الإعلام عن مجازر حوران وغيرها في الشام، وأتساءل لو كان الإعلام حاضرا، ونقل قصف المشافي والبيوت والأسواق، ووثق قصف المدارس والبنى التحتية المدنية، هل تجرأ الاحتلال الروسي والإيراني وغيرهما من الميليشيات الطائفية على فعل ما تفعله صباح مساء؟

إنها المسؤولية الأخلاقية والمهنية الإعلامية التي ستتحملها المؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم، وأكثر ما سيتحملها في المستقبل الإعلامان التركي والأردني، كونهما الجار الأقرب لسوريا، والأعرف بما يجري فيها، لقد كانت أمامهما فرصة إعلامية ذهبية ونادرة لأن ينتقلوا إلى العالمية بجدارة، في ظل حرب عالمية على الشعب السوري، كان أمامهما فرصة ليكونا نافذة سوريا إلى العالم، ونافذة العالم إلى سوريا، وكان بمقدورهما أن يتصدرا المشهد الإعلامي العالمي بامتياز، لا سيما وكلنا يعلم أن الإعلام ومؤسساته إنما يبرز ويشتهر في ظل الحروب والدماء والقتل، والقاعدة الذهبية الإعلامية تقول: حيثما كان الدم تكون القيادة للإعلام، ولكن للأسف نكص الإعلامان المذكوران عن دورهما، ولم يقوما به، تماما كما خسرا فرصة ذهبية إعلامية قلما تتوفر لوسائل إعلام، وقد رأينا من قبل كيف تمكن الإعلام الباكستاني من تبوء مكانة إعلامية عالمية خلال الغزو السوفييتي لأفغانستان، وكيف اشتهر إعلاميون غربيون وعرب بسبب الحرب الأفغانية أو الخليجية الأولى والثانية، ومن قبلهما حروب عالمية أو فيتنام ونحوها.

ليست مسؤولية الإعلام تغطية ما يجري فقط، وإنما مسؤوليته الأخلاقية الانحياز إلى الضحية، وكشف حجم الجرائم التي تقترف بحقها، ولا يزال أمام الإعلام الأردني فرصة كبيرة لتبوء المشهد، وأولى الخطوات تكمن في إرسال مراسلين إلى الداخل السوري، ومرافقتهم للثوار والأهالي، وعكس ما يجري هناك، لعل الاحتلال وذيله يرعويان عن بعض جرائمهما، والصحافي في الحقيقة إنما يكتب المسودة الأولى من التاريخ، ولا نزال بانتظار تلك المسودة التي يكتبها طرف ثالث بعيدا عن القاتل والضحية.