قراءة اقتصادية أخرى لإجراء الرفع من الأجور

مع كل دخول سياسي و اجتماعي جديد، و موازاة لمرحلة إعداد و مناقشة مشروع قانون المالية، تطفو مجددا حلقات الشد و الجذب بين الحكومة و النقابات، و لعل مطلب الرفع من أجور المظفين يظل الورقة الشهيرة و التقليدية الموضوعة كل سنة فوق طاولة الحوار، باعتباره حلا من الحلول المباشرة لدعم القدرة الشرائية لهذه الفئة.

بداية، لا يختلف اثنان كون أن القدرة الشرائية للمغاربة قد تأثرت في السنوات الأخيرة نتيجة  متغيرات عديدة، منها ما هو متعلق بتقلبات المواد الأساسية المستوىدة في السوق الدولية، و منها ما هو مرتبط بالإصلاحات التي استهدفت نظام الدعم الموجه و بالخصوص إصلاح صندوق المقاصة، التي توقفت في وسط الطريق دون أن توفر بديل للمواطن يقيه المواجهة الحتمية مع سوق لم يصل بعد درجة متقدمة من الحرية و التنافسية، سوق يعج بفاعلين أشبه ب “وحوش اقتصادية” تتصيد الثغرات و الفرص لتستفرد بجيب المستهلك، و لعل تقرير اللجنة البرلمانية الذي كشف أرباحا “غير أخلاقية” تحصلت عليها شركات المحروقات تجاوزت 17 مليار درهم خلال فترة الإصلاح لهي أبشع صورة لوضعية هذه السوق.

الرفع من قيمة الأجور ككل الإجراءات المتعلقة بالمالية العمومية له تأثيرات جانبية على الاقتصاد الوطني، هناك من يربطه بمؤشر البطالة، و هناك من يربطه بارتفاع الأسعار..

يعتبر الفرنسي Jean Bodin و أحد كبار منظري الاقتصاد الكلاسيكي خلال القرن 16 أن “ارتفاع المستوى العام للأسعار يمكن تفسيره بالزيادة في حجم الكتلة النقدية” النقود كباقي المعروضات في السوق تخضع بدورها لقانون العرض و الطلب، لما يقل الطلب عليها تنخفض قيمتها أمام باقي السلع.. ينتج عن هذا ما يسميه الإقتصاديون بظاهرة التضخم l’inflation..

هذا التفسير الإقتصادي يمكننا الإستعانة به لفهم التأثيرات الجانبية لإجراء “اجتماعي” كالرفع من الأجور.. طبعاً هذا الإجراء يستهدف فئة تقارب المليون موظف، لكن آثاره تنعكس على ما تبقى من المغاربة..

سيقول البعض أن المجتمع المغربي هو مجتمع متضامن في بنيته و الموظف تجده يعيل أسرته و أبويه و إخوته و أناس آخرين.. لكن هذا لن يحل المشكل..

لماذا لا تطالب النقابات الحكومة عوض الزيادة في الأجور التخفيض من المصاريف؟ سؤال غريب.. لنتعمق في الفهم..

جزء كبير من الموظفين اليوم يدرسون أبناءهم في القطاع الخاص، و يعفون الدولة من هذه الأعباء التي قد تتجاوز 1000 درهم شهريا عن كل طفل..

المصحات الخاصة تجدها ممتلئة بالمواطنين، ليس لسواد عيون أصحابها و إنما هروبا من وضع مزري تعيشه المستشفيات العمومية..

هذين مثالين فقط لقطاعات تستنزف أجرة الموظف و تجعله شهره لا يكتمل إلا بكناش البقال أو بسرطان القروض الاستهلاكية..

لماذا لا تطالب النقابات بوضع سقف للأجور و المعاشات “الغليضة” و تحويل ذلك إلى تجويد الحماية الإجتماعية الخاصة بالموظفين؟